واع / هل هو سراب جديد أم فجر حقيقي؟/ آراء حرة / ضياء المياح


في احدى قرى ناميبيا جنوب غرب افريقيا، كانت البيوت الطينية تتنفس شقوقها والاطفال يتراكضون حفاة لعبا خلف أحلام طفولية تتبخر في هواء القرية الملوث بالاحزان. كانت نساء قرية أوكاهانجا الناميبية الأفريقية يخبزن لعوائلهن طحينا معجونا بالدموع بدل الماء. وكان بؤس هذه العوائل يرافقهم في صباحاتهم ويبيت معهم في لياليهم.
المسؤول الأعلى عن قرية أوكاهانجا هو شيلنجو والذي جعل من قانون القرية عصا غليظة يستخدمها ورجاله أمام من يعترض على افعالهم. كان شيلنجو هو من يكتب القوانين ليخدم مصالحه الشخصية ومصالح اقربائه ورجاله والمساندين له من القرى الكبيرة المجاورة والبعيدة. ولطالما زرع شيلنجو السراب في قلوب اهل القرية وعودا ببناء مدارس وإنشاء طرق وتوفير مياه صالحة للشرب ولم يتحقق منها شيئا، إذ كانت كلماته ذرات هواء معلقة تطير مع الريح. وبقت ارض القرية قاحلة رجالها منهكون وشبابها يتمنون مغادرتها علهم يجدون حياة افضل في قرى اخرى.
توالى المسؤولون على أوكاهانجا، كل واحدٍ منهم يحمل ابتسامةً جديدة وقَسماً جديداً، ووعودا مكررة أو جديدة لكن النتيجة واحدة، فكل واحد منهم نسخة مكررة لمن سبقه. وفي وسط هذا اليأس، كان شيخ القرية الحكيم بانكولو يجلس تحت شجرةٍ جافة في ساحة القرية ويهمس بصوت مسموع لمن يمر به او قريب منه؛ “لا تتنظروا مطرا من غيوم جوفاء لا تمطر، أنتم من يستطيع جلب الماء من المطر او غير المطر، أكسروا قيودكم واقتلوا خوفكم وأكتبوا القانون الذي ينقذكم وينظم حياتكم”. كان صوته الهامس يضيع كل مرة مع يأس أهالي قرية أوكاهانجا من التغيير.
وتغير المسؤولون عن القرية حتى جاءهم أوموكويتو مسؤول القرية الجديد. كان أوموكويتو يتحدث عن الاصلاح الذي سيقوم به والتغيير الذي سيحدثه، يرفع شعارات تحقيق مصالح اهل القرية، ويقسم لهم أن زمن الظلم قد ولى. لم يكتف أوموكويتو بالكلام والخطابات، بل أنه ألقى القبض على هايدولا احد أهم اعوان شيلنجو وأودعه سجن القرية، وأعلن أنه سيتم محاسبة ومعاقبة هايدولا المعروف بفساده ومطاردة كل الفاسدين وسارقين قوت الناس، فأثار ضجة كبيرة في القرية.
أهَتزت قرية أوكاهانجا بكاملها عند تداول خبر اعتقال هايدولا، وصفق بعض الناس لأوموكويتو بحرارة، وصرخوا: “هذا ما كنا ننتظره، هذا هو الفجر الذي انتظرناه. ربما يكون أوموكويتو مختلفا عمن سبقوه، نعم سيكون مختلفا” وفي الجانب الآخر، ظل أخرون صامتين وهم يتهامسون: “رأينا مثل هذه المسرحية من قبل! يٌعتقل فاسد صغير بدل الفاسد الكبير، واليوم يعتقل فاسد كبير وسيخرج بعد حين وبقية كبار الفاسدين يصولون ويجولون في القرية بلا حساب. هذا هو العرض المسرحي الجديد وسينتهي بعد حين شأنه شأن العروض المسرحية السابقة”.
وقف بانكولو الحكيم ينظر إلى أوموكويتو بعيون أثقلتها تجارب مريرة وهو يردد: ” تغيير الحال لا يٌقاس بحدث واحد. إذا كان أوموكويتو صادقا، فلتكن هذه بداية الطريق وليس حدثا فريدا لن يتكرر”. وحين سمع أوموكويتو ما يفكر به اهالي القرية، كانت عيناه تلمعان إصرارا وصوته يهدر كأنه يخرج من قلب الأرض: “ستكون هذه البداية ولن اكون شبيها لشيلنجو ولن أدع هايدولا جديدا يسرقكم ويضطهدكم. أنها ليست مسرحية. أنها بداية الطريق نحو مصالحكم”.
ظلت القرية منقسمة في نظرتها لأوموكويتو. نصفها يرى أوموكويتو أملا حقيقيا جديدا، والنصف الآخر يراه مجرد رقم يضاف لمن سبقوه وسينتهي حاله حال المسؤولين الفاسدسن السابقين. وظل السؤال مطروحا بدون جواب شافٍ: هل سيغير أوموكويتو حالهم المتهالكة إلى حال أفضل، أم أنه فاسد جديد لن يحقق شيئا من وعوده؟.