واع / التشكيلية إيناس الياسري: المراة والهوية .. افكاربريشة، والوان تتصدر لوحات !
واع / بغداد/ احمد الحاج
فنانة عراقية استطاعت بألوانها وأحاسيسها أن تنقل لنا رؤية مختلفة للواقع، حيث تمتزج فيها الأصالة بالحداثة، والجمال بالمعنى. حملت فرشاتها قضايا المرأة والإنسان والمكان، وجسّدت على لوحاتها هموم الوطن وأفراحه بأسلوب تشكيلي فريد يجمع بين الواقعية والرمزية.
انها إيناس الياسري فنانة تشكيليه وضعت بصماتها في العديد من المعارض المحلية والدولية، ونالت جوائز تقديرية وتكريمها من عدة جهات، اليوم حاورها مراسل ( واع ) في بغداد لتحدثنا عن تجربتها الثرية، ورحلتها مع الفن، وعن رسالتها التي تؤمن بأن اللوحة قادرة على تغيير النظرة إلى الحياة والفن .
الياسري تقول تقولـ ( واع) عن البداية : ان الرسم يجري في عروقي منذ الصغر، ولم تكن هناك لوحة محددة، بل حالة تعلق دائم بالألوان والورق. كنت أرسم كل ما يثير فضولي، ووجدت في الرسم مساحة للتعبير عن عالمي الداخلي، وأذكر أن رسوماتي البسيطة كانت تثير إعجاب المحيطين بي، مما عزز لديّ حب هذا الطريق، إحساس الطفولة هذا بالنقاء والصدق يظل نبراساً في مسيرتي.
وتضيف الياسري عن بداياتها : لقد نشأت في بغداد من أسرة محبة للفن، فكانوا خير سند وداعم لي حيث المجتمع العراقي، رغم ظروفه، يكنّ احتراماً كبيراً للفن والفنانين، وهذا شجعني التحدي الحقيقي كان في توفير المواد الفنية الجيدة أحياناً، لكن الأصعب كان في تحويل حب الرسم إلى مهنة تُعاش وانتقلت في الرسم من هواية إلى رسالة عندما شعرت بأن لوحاتي تحمل جزءاً من روحي، وعندما بدأت أتلقى طلبات لشراء أعمالي،واذكر معها أول لوحة بعتها لا تزال عالقة في ذهني، كانت لحظة فارقة أكدت لي أن الآخرين يرون قيمة فيما أبدع. وأول معرض لي كان نقطة التقاء مهمة مع جمهور أوسع، مما منحني ثقة وجرأة لاكتشاف آفاق جديدة.
وماذا عن الالوان والافكار الفنية تؤكد الياسري لـ ( واع) :علاقتي بالألوان وثيقة جدا حيث انها لغتي التي أعبر بها عما احمله في دواخلي، وعلاقتي بها أشبه بعلاقة الصديق الحميم. اللوحة الزيتيه تتسع لعوالم من الإحساس، وأسعى دوماً لأن تكون أعمالي مفعمة بالحياة والعاطفة. أما بالنسبة للون، فأنا أميل إلى استخدام درجات الأزرق، فهو لون اللامتناهي والصفاء، وأجده يعكس رحلة البحث عن السلام الداخلي ، كما اني اعشق تيار ( الأسلوب الخاص) الذي لا ينتمي لمدرسة محددة بصرامة، إنما هو نتاج تراكم الخبرات والتأثر بمختلف المدارس. أطمح إلى تطوير لغة بصرية قابلة للتطور، تعبر عن رؤيتي للعالم وتلامس وجدان المتلقي بصدق وانسيابية. أميل إلى دمج الواقعية، التي تمثل أساساً متيناً في التكوين، مع لمسات تعبيرية تعكس المشاعر.
وماذا عن موضوعة الافكار والمراة في الفن تقول لـ ( واع) : بصراحة ان الموضوعات المسيطرة تهيمن على لوحاتي وخاصةً قضايا ( المرأة) و( الهوية) وأجد في تفاصيل الحياة اليومية مصدر إلهام لا ينضب، فالمرأة العراقية والعربية، بكل ما تحمله من قوة وهشاشة وأحلام وتحديات، هي بطلة أعمالي وأسعى لتوثيق حضورها وتفاصيل حياتها، واسلط الضوء على جمالها الداخلي والخارجي!؟ ولان الجمال رساله بالنسبة لي، فالجماليات والرسالة عنصران متكاملان. اللوحة الجيدة تقنع العين، واللوحة العظيمة تلامس الروح. لذلك أركز على بناء تكوين بصري جذاب، ثم أغرس فيه رسالتي بهدوء، تاركة للمتلقي مساحة لاكتشافها وتأويلها. عندما تكون الرسالة جزءاً عضوياً من النسيج البصري، تصل بلطف وفعالية في آن.
وعن الالوان التي تفضلها الياسري تقول لـ ( واع) : بلا شسك اني أُفضل العمل بالألوان الزيتية، فهي تمنحني مرونة لا نهائية في المزج والطبقات، كما تتيح لي وقتاً أطول للعمل على التفاصيل والمزج بين الألوان. درجات الألوان الزيتية غنية وعميقة، مما يساعد على إضفاء عمق وحيوية على اللوحة ، كما ان اختيار العنوان في لوحاتي تأتي غالباً بعد الانتهاء من العمل، عندما أجلس وأتأمل اللوحة ككل. عندها تبدأ الكلمات في التبلور، وكأن اللوحة تهمس باسمها، في أحيان نادرة، قد تكون الفكرة قوية لدرجة أنها تسبق العمل ، كما ان ردود فعل الجمهورالعراقي الذي يتميز بذوقه الرفيع وحسه الفني المرهف، فهو يقرأ اللوحة بعين البصيرة أما الجمهور العربي، ففيه اتساع أفق، والغربي يهتم بالجانب التقني والنظري. الاختلاف موجود، لكن حب الفن يبقى قاسمًا مشتركًا.
وان أصعب التحديات عندي هي المزج بين واجباتي الحياتية وعشقي للفن، كما أن استمرارية الدعم المادي والتسويق الشخصي للأعمال يشكلان تحدياً مستمراً. إضافة إلى ذلك، فالتقلبات الأمنية والاقتصادية في العراق أثرت سلباً على الحركة الفنية بشكل عام.
ماهي رؤى الياسري للنقد التشكيلي تقول لـ ( واع ) : أعتقد أن هناك فجوة بين الإبداع التشكيلي والكتابة النقدية الجادة في العالم العربي، نحن بحاجة لنقاد حقيقيين يقرأون اللوحة بموضوعية وعمق، ويقدمون تحليلاً يثري المشهد الفني. هناك نقص في المنابر المتخصصة التي تحتفي بالفن التشكيلي ، ولاننسى ايضا ان المرأة في الفن استطاعت بجدارة أن تحفر اسمها في التاريخ الفني، وقدمت إبداعات مميزة. لكن التحديات لا تزال قائمة، فالمجتمع أحياناً يضع عراقيل أمامها، ودورها العائلي يضغط عليها. ورغم ذلك، أثبتت أنها قادرة على الإبداع والتميز.
وعن تسويق الاعمال الفنية واحلام المستقبل الفنية تؤكد الياسري لـ ( واع) : ان تسويق العمل الفني والموهبة وحدها ليست كافية، فالساحة الفنية تحتاج إلى إدارة ذكية وقدرة على التسويق. وقد يكون من المفيد التعاون مع مدير أعمال يساعد في هذا الجانب. أنا شخصياً أعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لأعمالي، بالإضافة للمعارض.
وان الحلم القادم لي هو إقامة معرض فردي ضخم في متحف عالمي، أو تنفيذ جدارية في فضاء عام تعبر عن تراثنا وطموحنا، لتكون لوحاتي جسراً للحوار بين الثقافات.ونحن نقول لها،، لا تخافي، اصنعي مساحتك الخاصة وكون صادقة مع فنك، ادرسي وتعلمي بجد وإصرار، ولا تسمحي للصعاب بأن تثنيكِ عالم الفن واسع، وفيه مكان لكل مبدع ومبدعة، ولان الفن قادرعلى تغيير المجتمع من خلال التأثير في المشاعر والأفكار في زمن الأرقام والصخب الرقمي، يبقى الفنان صوتاً للحقيقة والجمال، ويذكرنا بما هو إنساني وأصيل.



