واع /ضرائب خنقت الاقتصاد.. من ينقذ التجار والمستثمرين في الموصل!! ؟/ تحقيق

واع / نينوى/ مقدام خزعل

بينما تتصدر خطابات دعم القطاع الخاص وتنويع الاقتصاد واجهة السياسات الحكومية، يواجه واقع الأعمال والاستثمار في مدن كبرى مثل الموصل حالة من الخنق المنظم والإجراءات التعسفية التي تهدد بانهيار تدريجي للنشاط الاقتصادي.

*مصادرة بالمطلق: ضرائب على عقارات لا يملكها المواطنون

في واحدة من أغرب الممارسات، تفرض دوائر حكومية في الموصل ضرائب عقارية سنوية على تجار ومستثمرين عن عقارات لا يمتلكونها، بل هي مملوكة لأمانة بلدية الموصل. تعود جذور الأزمة إلى عقود إيجار أو “مساطحة” أبرمت قبل عقود من الزمن، ليُفاجأ المستثمرون اليوم بفاتورة ضرائب بأثر رجعي قد يمتد لعشرات السنوات. يطالب المتضررون بالكشف عن الأساس القانوني الذي تستند إليه هذه المطالبات المالية والجهة التي أصدرتها.

*تعقيد متعمّد.. و”أوامر من بغداد” حجة جاهزة

لا تقتصر المفارقة على طبيعة هذه المطالبات، بل تمتد إلى تعقيد إجرائي غير مسبوق، حيث يُلاحظ أن تطبيق هذه الإجراءات في الموصل أكثر تشددًا مقارنة بباقي محافظات العراق. وأصبحت عبارة “هاي أوامر من بغداد” ردًا جاهزًا يُسدل به الستار على أي استفسار أو اعتراض، حتى من مسؤولين رفيعي المستوى، بينما تبدي دوائر في العاصمة بغداد أحيانًا دهشتها من شدة التعقيد في إجراءات المحافظة.

*منظومة اختناق كاملة: من الضرائب إلى الرسوم التعسفية

لا يتوقف التضييق عند الضرائب العقارية، بل هو جزء من منظومة متكاملة من الابتزاز المالي تشمل:

· ضرائب الدخل: يتم رفع تقديراتها بشكل تعسفي دون مراعاة للواقع الاقتصادي أو ظروف المشروع.
· الخدمات البلدية: فرض رسوم مياه وكهرباء ونظافة بشكل رجعي، حتى على مناطق صناعية تفتقر أصلاً إلى تلك الخدمات.
*الضمان الاجتماعي: إجبار أصحاب المشاريع، بما فيها المتوقفة أو الناشئة، على دفع مبالغ طائلة.
· رسوم مضاعفة: على إجازات التنمية الصناعية والإجازات الصحية وفحص النماذج، إضافة إلى دخول دوائر مثل الدفاع المدني في حلبة فرض الغرامات والرسوم المتكررة.

*القرارات المبهمة وازدواجية التطبيق

يشكو التجار من إشكالات كبيرة في تطبيق القرارات، وأبرزها القرار 270 الخاص بالتعرفة الجمركية، الذي يوصف بأنه “مبهم” وصعب التطبيق. تتفاقم المشكلة مع ازدواجية تطبيقه من قبل لجان الكشف المختلفة، مما يفتح الباب أمام تفسيرات شخصية وتقديرات عشوائية تثقل كاهل التاجر وتقتل روح المبادرة.

*سيطرات تعسفية تمزق نسيج الاقتصاد المحلي

أضحت السيطرات، وخصوصًا سيطرة سد الموصل، أداةً لتعطيل حركة البضائع والمواطنين، بسبب الإجراءات الأمنية المشددة والقطع المتكرر للطريق. والأخطر من ذلك، هو شبه انعدام التجارة البينية التاريخية بين الموصل ومحافظات إقليم كردستان (دهوك، أربيل، السليمانية)، والتي دامت مئات السنين، مما ألحق ضررًا جسيمًا باقتصاد المدينة وسكانها.

مؤشرات انهيار: إغلاق معامل وهروب استثمارات

تنعكس هذه السياسات على أرض الواقع بمؤشرات مقلقة يكشف عنها التجار والصناعيون أنفسهم:

· عزوف تام عن الاستيراد: تراجع حوالات الاستيراد عبر البنك المركزي بشكل كبير، مما يهدد المخزون الاستراتيجي من المواد الأساسية.
· هروب رأس المال: إغلاق العشرات من المعامل والمشاريع الصغيرة، وتوجه كثير من المستثمرين إلى تسجيل شركاتهم خارج العراق هربًا من البيئة الطاردة.
· تضخم محلي: ارتفاع الأسعار ليس بسبب ظروف السوق العالمية فحسب، بل بسبب القرارات والرسوم الداخلية التي تثقل كاهل التاجر والمستهلك معًا.

خلاصة: تعظيم واردات أم تعظيم جيوب الفاسدين؟
فيما، يؤكد المراقبون أن هذه السياسات تعكس غيابًا تامًا للمنطق الاقتصادي، وتُظهر أن صانع القرار منفصل تمامًا عن واقع السوق. وفي مواجهة هذا الانهيار، يطالب أصحاب الشأن بإنشاء مجلس اقتصادي أعلى للموصل، يضم ممثلين عن جميع القطاعات (زراعة، صناعة، تجارة، استثمار)، يكون بيده رسم السياسات المحلية والتنسيق مع الحكومة المركزية لتذليل العقبات وبناء حلول عملية تنقذ ما تبقى من اقتصاد المدينة.