واع / حين يصبح الشر عادياً….قراءة في كتاب تفاهة الشر وانعكاساته على الواقع المعاصر/ آراء حرة/ بقلم: رنا يوسف عجيب- سوريا

ليست أكثر أشكال الشر رعباً تلك التي تأتي بوجوه وحشية واضحة، بل تلك التي تمرّ بين الناس بهدوء وتُمارس بوصفها أمراً عادياً أو واجباً يومياً أو طاعة لا تستدعي التفكير ، هنا تحديداً تكمن الفكرة الصادمة التي طرحتها الفيلسوفة حنة آرندت في كتابها الشهير (أيخمان في القدس ، تفاهة الشر ) الصادر عام 1963، حين تحدثت عن ذلك الشر الذي لا يحتاج دائماً إلى وحوش استثنائية بل يكفيه إنسان عادي توقف عن التفكير،
جاءت فكرة الكتاب بعد حضور آرندت محاكمة الضابط النازي أدولف أيخمان أحد المسؤولين عن تنظيم ترحيل اليهود خلال الحرب العالمية الثانية كانت تتوقع أن ترى شخصاً يحمل ملامح القسوة المطلقة، لكنها فوجئت بموظف بيروقراطي جاهل بارد يتحدث بلغة إدارية جافة ويكرر باستمرار أنه (كان ينفذ الأوامر فقط)،
كان مقتنعاً ببساطة بأنه يقوم بواجبه وأنه أطاع الأوامر وأنه لم يكن يتحمل أي مسؤولية.
بعد هذا اللقاء مع أيخمان لم يعد في نظرها شيطاناً استثنائياً بقدر ما أصبح مثالاً مرعباً على الإنسان الذي تخلى عن مسؤوليته الأخلاقية وترك ضميره يذوب داخل السلطة
من هنا وُلد مفهوم (تفاهة الشر ) فالشر بحسب آرندت قد لا يكون دائماً فعل كراهية عميقة بل نتيجة لغياب التفكير النقدي وتحول الإنسان إلى أداة تنفذ دون أن تسأل إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس وجود الطغاة وحدهم بل اعتياد الناس على الطاعة إلى الحد الذي يصبح فيه الظلم جزءاً من الروتين اليومي.
ورغم أن الكتاب كُتب في سياق تاريخي مرتبط بالنازية إلا أن فكرته تبدو اليوم أكثر حضوراً من أي وقت مضى، ففي عالمنا المعاصر لم يعد الشر يظهر دائماً بصورته الصاخبة بل قد يظهر أحياناً بهدوء شديد داخل مؤسسة أو خطاب إعلامي أو حتى عبر شاشة هاتف صغيرة ، في مواقع التواصل الاجتماعي مثلاً يمكن أن تتحول حملات التنمر والتشهير إلى ممارسة جماعية يشارك فيها الآلاف دون شعور حقيقي بالمسؤولية، قد يكتب الناس كلمات جارحة و يشاركون في الإقصاء والسخرية ثم يبررون ذلك بعبارات عابرة مثل: (الجميع يفعل ذلك) وهنا يصبح الشر عادياً إلى درجة مخيفة لأن الإنسان لا يعود يرى الآخر ككائن يشعر ويتألم بل كصورة أو اسم على الشاشة بعيداً عن الواقع
كما تظهر “تفاهة الشر” في صمت المجتمعات عن الظلم وفي اعتياد مشاهد العنف والحروب حتى تفقد المآسي قدرتها على الصدمة فالتكرار المستمر للقسوة قد يجعل الإنسان أقل حساسية تجاه الألم الإنساني وأكثر قابلية لتبرير ما كان يرفضه يوماً
وتقول آرندت(الحقيقة المحزنة هي أن معظم الشرور في العالم لا يرتكبها أناس حسموا أمرهم على أن يكونوا أشراراً، بل أناس لا يملكون أي موقف أو مبدأ واضح )
وربما تكمن خطورة عصرنا الحالي في أن الشر لم يعد يحتاج إلى أوامر صارمة فقط، بل إلى التكرار والتقليد والتعود فكل قسوة يتم تجاهلها وكل ظلم يُبرر وكل صمت طويل أمام الألم قد يكون خطوة صغيرة نحو عالم يصبح فيه الشر مألوفاً وعادياً

لقد أرادت آرندت أن تقول (إن التفكير ليس رفاهية فلسفية بل مسؤولية أخلاقية ) فالإنسان الذي يسأل ويشكك ويحافظ على يقظة ضميره يصبح أقل قابلية لأن يتحول إلى أداة في يد القسوة أو التطرف أما حين يتوقف الإنسان عن التفكير، فإنه قد يرتكب أفعالاً مرعبة دون أن يشعر بأنه يفعل الشر أصلاً
إن تسليط الضوء على الكتاب اليوم ليست عودة إلى الماضي فحسب، بل محاولة لفهم حاضرنا أيضاً فالكتاب لا يدفعنا إلى الخوف من الوحوش بقدر ما يدفعنا إلى الحذر من اللحظة التي يفقد فيها الإنسان قدرته على التفكير الحر وعلى الإصغاء إلى صوته الأخلاقي الداخلي لأن أخطر أشكال الشر تبدأ غالباً حين يتوقف الناس عن السؤال والتفكير .