واع / كيف تغيير طريقتك لتواجه الألم (الإنسان يبحث عن معنى )/ اراء حرة/ بقلم الاديبة السورية : رنا يوسف عجيب
يُعد كتاب الإنسان يبحث عن معنى من أهم الكتب النفسية والفلسفية في القرن العشرين، وقد كتبه الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل بعد نجاته من معسكرات الاعتقال النازية خلال الهولوكوست الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية بل تأمل عميق في قدرة الإنسان على النجاة حين يجد معنى لحياته حتى وسط أقسى أشكال الألم .
يرى د. فرانكل أن الإنسان لا تحركه فقط الرغبة في اللذة كما قال فرويد، أو السعي إلى القوة كما رأى أدلر، بل تحركه قبل كل شيء (إرادة المعنى (
أي أن الإنسان يستطيع تحمّل المعاناة إذا شعر أن لحياته هدفاً أو قيمة تستحق الاستمرار ومن أشهر أفكاره:
(من يملك سبباً ليعيش يستطيع أن يتحمل أي شيء )
في القسم الأول يروي د. فرانكل تجربته داخل المعسكرات النازية وكيف كان السجناء يفقدون إنسانيتهم تدريجياً بسبب الجوع والخوف والإذلال ويقسم التجربة النفسية للسجين إلى ثلاث مراحل:
١- مرحلة الصدمة
عند الوصول إلى المعسكر يشعر السجين بالذهول والرعب وعدم التصديق
٢- مرحلة التبلد العاطفي
يعتاد الإنسان على القسوة اليومية فيصبح أقل تأثراً بالموت والعنف كي يحمي نفسه نفسياً
٣- مرحلة ما بعد التحرر
حتى بعد النجاة، يبقى الإنسان مثقلاً بآثار التجربة النفسية وفقدان المعنى.
لكن د. فرانكل لاحظ شيئاً مهماً الذين كانوا يملكون سبباً للعيش ( قصة حب ، أو حلم، أو مسؤولية، أو إيمان ) كانوا أكثر قدرة على الصمود.
في القسم الثاني يشرح فرانكل نظريته النفسية التي أسسها وتسمى (العلاج بالمعنى)
وهي تقوم على أن:
( الإنسان يحتاج إلى معنى أكثر من حاجته إلى الراحة)
الفراغ الداخلي يولّد القلق والاكتناب والعبثية المعنى يمكن العثور عليه حتى في الألم والخسارة
بحسب د. فرانكل، هناك ثلاثة طرق أساسية يستطيع الإنسان أن يحصل فيها على المعنى من خلال : العمل أو الإنجاز: من خلال تقديم عمل أو إبداع شيء مفيد.
التجربة والخبرة: من خلال التفاعل بعمق مع تجربة ما، أو الحب والارتباط بشخص آخر.
الموقف تجاه المعاناة: طريقة استجابتنا وصمودنا أمام المواقف الحتمية أو الصعبة من يقرأ الكتاب يتأكد أنه لا يمجّد الألم، لكنه يقول إن الإنسان لا ينهزم فقط بسبب المعاناة، بل بسبب شعوره بأن حياته بلا معنى
ولهذا يكرر فرانكل أن: الحرية الأخيرة للإنسان هي أن يختار موقفه الداخلي مهما كانت الظروف الخارجية قاسية
وقد بقي الكتاب مؤثراً على مر السنين لأنه يتحدث عن أسئلة إنسانية خالدة لماذا نعيش؟
كيف نواجه الفقد؟
ما الذي يجعل الإنسان يستمر؟
هل يمكن للمعاناة أن تنتج معنى؟
لذلك يُقرأ الكتاب اليوم بوصفه شهادة إنسانية وتأملاً فلسفياً وكتاباً في علم النفس الوجودي في آنٍ واحد.
وأكثر ما يجعل أثر الكتاب عميقاً أن د. فرانكل لم يكتب أفكاره من معلومات نظرية سمعها وتعاطف معها ، بل من قلب تجربة شخصية عاش فيها أقصى درجات الألم الإنساني ،
خلص بعدها إلى أن الألم لامفر منه ، لكن حين لا نستطيع تغييره، نستطيع تغيير طريقتنا في مواجهته.


