واع / جبار طراد الشمري… سيرة وفاء ومسيرة صحفي حمل المهنة رسالةً لا وظيفة/ آراء حرة/ الصحفي والمحامي عرفان سعدالله الداوودي
في زمنٍ أصبحت فيه المواقف عملةً نادرة، يبقى الرجال الأوفياء عنوانًا للأصالة، وتبقى العلاقات الإنسانية الصادقة هي الثروة الحقيقية التي لا تُقاس بالمناصب ولا بالألقاب. ومن هؤلاء الرجال الذين نفتخر بمعرفتهم، أخي وصديقي العزيز الأستاذ جبار طراد الشمري، النائب الثاني لنقيب الصحفيين العراقيين، الذي عرفته عن قرب منذ سنوات طويلة، فوجدت فيه الإنسان النبيل قبل أن يكون الصحفي والإداري الناجح.
لقد شاءت الأقدار أن تجمعني بالأستاذ جبار الشمري في رحاب جريدة العراق عام 1990، حين كان يعمل محررًا في قسم المحليات للجريدة، بينما كنت أشغل منصب مدير مكتب جريدة العراق في محافظة ديالى. ومنذ ذلك الحين توطدت بيننا علاقة أخوية صادقة، قائمة على الاحترام المتبادل والمحبة والإخلاص، ولم تتغير رغم تغير الظروف وتعاقب السنين.
ينتمي الأستاذ جبار الشمري إلى جيل الصحفيين الذين آمنوا بأن الصحافة رسالة وطنية قبل أن تكون مهنة، فبدأ مسيرته المهنية منذ ثمانينيات القرن الماضي، متنقلًا بين مؤسسات إعلامية عدة، حتى استطاع أن يثبت حضوره بكفاءته ومهنيته العالية، وأن يصبح أحد أبرز أعمدة نقابة الصحفيين العراقيين، مسهمًا في تطوير العمل النقابي والإعلامي، ومدافعًا عن حقوق الصحفيين ومكانتهم.
لم يكن نجاحه وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهد متواصل وخبرة تراكمت عبر عقود من العمل الصحفي، شارك خلالها في دورات تخصصية عديدة في التحرير الصحفي، والإدارة العليا، والترجمة، والاختزال، والحاسبات، ونال عنها كتب شكر وتقدير وشهادات تميز، ليؤكد أن الصحفي الحقيقي لا يتوقف عن التعلم والتطوير.
وعلى الصعيد العربي والدولي، مثل الأستاذ جبار الشمري العراق ونقابة الصحفيين العراقية في العديد من المؤتمرات والاجتماعات المهمة، فشارك في اجتماعات الاتحاد العام للصحفيين العرب في القاهرة، ومؤتمرات الاتحاد الدولي للصحفيين في بروكسل، فضلًا عن حضوره مؤتمرات إعلامية عربية ودولية تناولت تطوير الأداء الإعلامي والعمل النقابي. كما ترأس الوفد العراقي إلى مؤتمر تقنيات الإعلام في جورجيا عام 2014، وشارك محللًا ستراتيجيًا في مركز دراسات الخليج العربي في البحرين، ليقدم صورة مشرقة عن الصحفي العراقي في المحافل الدولية.
كما تولى مسؤوليات إعلامية رفيعة، فكان رئيسًا لتحرير صحيفة الزوراء، ورئيسًا لتحرير وكالة الأنباء العراقية، وأسهم في تطويرها عبر استقطاب نخبة من الصحفيين الأكفاء، إلى جانب رئاسته لتحرير صحيفتي الرواد والرافدين، تاركًا بصمة واضحة في كل مؤسسة عمل فيها.
وبعد عام 2003 انتُخب نائبًا لنقيب الصحفيين العراقيين، كما تولى مهام نقيب الصحفيين العراقيين عام 2008 عقب استشهاد النقيب الراحل شهاب التميمي، في مرحلة دقيقة تطلبت حكمة وشجاعة وقدرة على الحفاظ على وحدة الأسرة الصحفية.
غير أن ما يميز الأستاذ جبار الشمري أكثر من أي منصب تقلده، هو أخلاقه الرفيعة وإنسانيته النادرة. فهو رجل لا تغيب الابتسامة عن محياه، يستقبل زملاءه بمحبة واحترام، ويحرص على زيارة المرضى منهم، والسؤال عن أحوالهم، والسعي لمساعدة المحتاجين، ودعم الصحفيين الشباب، وتقدير الرواد، مؤمنًا بأن النقابة بيت الجميع، وأن قيمة المسؤول تقاس بما يقدمه للناس لا بما يحمله من لقب.
إنه رجل وفيّ لأصدقائه، صادق في علاقاته، كريم في مواقفه، لا يعرف التمييز بين الناس، بل يتعامل مع الجميع بروح الأخوة والزمالة، ولذلك نال محبة الأسرة الصحفية واحترامها، وحصد خلال مسيرته عشرات كتب الشكر والتقدير من المؤسسات الرسمية والإعلامية.
كما أن انتماءه لأسرة عريقة في قضاء العزيزية بمحافظة واسط، وكون والده – رحمه الله – شاعرًا شعبيًا معروفًا وصاحب حضور اجتماعي وعشائري، أسهما في تكوين شخصيته المتواضعة والقريبة من الناس.
لقد كان الأستاذ جبار طراد الشمري وما يزال مثالًا للصحفي المهني، والإداري الحكيم، والإنسان الوفي، الذي حافظ على علاقاته الطيبة مع الجميع، وجعل من خدمته للصحفيين رسالة مستمرة لا تنقطع.
تحية تقدير واعتزاز لأخي وصديقي العزيز الأستاذ جبار طراد الشمري، الرجل الذي أثبت أن المناصب تزول، أما الأخلاق والمواقف النبيلة فتبقى خالدة في ذاكرة الناس. نسأل الله أن يوفقه، وأن يمنحه الصحة والعافية، وأن يبقى كما عرفناه دائمًا سندًا لزملائه، وخادمًا أمينًا للصحافة العراقية، ورمزًا من رموز السلطة الرابعة التي تستحق كل دعم واحترام.


