واع / اخر لقاء مع الموسـيقار الراحل فاروق هلال ..صحوت من منامي وانا اسير خلف جنازة ولم اعرف بان المشيع فيها انـا ؟
واع / بغداد/ حوار خالــد النجـار
صحوت من منامي وانا اسير خلف جنازة ، يشييعها الاخرون ، ولم ادري ان المشيع فيها انا ! وصوري في الصحافة ونعيي عنوانه ( الوداع الاخير) وصحوت وبي دهشة ايحق لمن اتعبته الحياة ان يشيع نفسه؟! هكذا كانت كلمات الراحل الموسيقار والفنان العراقي الاصيل فاروق هلال ( رحمه الله) واخراعماله ورائعته ( ثلاثية الحلم ) مع ان هناك حلم رابع بصوته وحلمه وفكرته من شعر لشاعرة العراق الكبيره ساجده الموسوي وشاعره العرب ، ويعتبر اخرعمل لفاروق هلال قبيل وداعه ، وكما يقول: اشعر وانا منهك تماما وهي اخر اعمالي ووداعي الاخير فيها..
قبيل اشهر اجريت حوارا مع الموسيقار الراحل فاروق هلال الذي يقيم مع عائلته في جمهوريه مصر العربيه ( القاهره) وهو يعاني من مرض عضال، بعد ان اتعبته سنوات العمل والابداع والغربة والهجره ، واقول بان عائلته كانت جيراننا في منطقة الصرافيه قرب جامع ( عادله خاتون) وكنت انا صغيرا انذاك،وكان الراحل اكبرنا سنا ،وكانت علاقتي باخوانه الصغار انذاك وهم خالد وجمال وقاسم وجاسم واخواته، وكنا في ( المرحلة الابتدائية) وفي تلك الفتره تخرج فاروق هلال من معهد الفنون الجميلة في منطقة الكسره ،وقبلها كان طالبا في المدرسة المامونية النموذجية في باب المعظم قرب وزارة الدفاع القديمة ،ويقيم في منزل والديه رحمهما الله، قرب جامع (عادلة خاتون) حاليا، وعائلته تتكون من (9 اخوة في البيت واختين) وقد بيعت الدار من قبل الورثة في حينها ولايزال البناء قائما حتى الان ،واصبح مكتبا تجاريا وتغيرت معالمه تماما كما تغيرت حالنا جميعا.
بداية الحوار وعبر تكنولوجيا الاتصالات ،وبالتنسيق مع الشاعرة العراقية الكبيرة السيده ساجده الموسوي حيث رتبت هذا الحوار مع الموسيقار الرائد فاروق هلال وكما تبدوا علامات وتعب السنين واضحه عليه ونبره صوته حيث قال لنا : اود في البداية ان اعبر عن حبي وفرحتي حين اجد من يسال عني رغم ظروفي المرضية واشكر وكالتكم الاخبارية الموقره لاتاحة الفرصة لهذا الحوار، واؤكد لكم ان بداية اظهار موهبتي حيث كنت في المرحلة الابتدائية من الدراسة، ولم تكن هناك معارضة من قبل اهلي حيث كنت اقوم صباحا مع والدي رحمه الله وهو يصلي صلاة الفجر، وانا اجود القران الكريم اثناء ذلك، بما ينسجم مع صلاته وعبادته فجرا ولكن المعارضة الحقيقية كانت عند وصولي للمرحلة ( المتوسطة ) حيث لايمكن ان اذهب الى معهد الفنون الجميلة الا اذا تخرجت من هذه المرحلة ؟!
مضيفا بالقول : بصراحه هذه المرحلة كانت مفصلية بالنسبة لي ! وشيئا هاما وهي مرتبطة بموافقة والدي تحديدا ! وحين طرحت عليه ذلك قال لي ماذا تفعل هناك ؟ واكدت له باني سادرس الموسيقى في هذه المدرسة فاعترض والدي على ذلك بشده ،وعرض علي ان التحق في الكلية العسكرية اسوة باخي الذي يدرس في الكلية العسكرية انذاك ؟ وبالرغم من رفض الامر بشكل قاطع من والدي كنت مصرا ادخل معهد الفنون الجميلة، فذهبت الى احد اساتذتي واخبرته بمشكلتي حول ان ادرس الفنون الجميلة واخدم بلدي في هذا المجال، ووالدي رفض ذلك؟
مؤكـــدا : وازاء تعنت والدي طلبت من هذا الاستاذ اقناع والدي بالامر كي يوافق! وفعلا تحدث مع والدي واقنعه بالامر، مؤكدا لوالدي بان ابنك سيكون فنان معروف ومثقف، وفعلا هكذا وبعد نجاحي تم قبولي في معهد الفنون الجميلة ،واذكر باني في المعهد لحنت اول قصيده من الشعر الحر، حيث لم يكن منتشرا انذاك كما هي الحال اليوم، نعم وقد كتبه لي الدكتور والفنان التشكيلي ماهود احمد، وقد لحنته بشكل جميل وكان الاستاذ الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد يدرسنا مادة اللغة العربية وعرضت النص عليه واعجب بطريقة تلحيني له ،وهكذا حتى تخرجي عام 1959..
وحول تطورات الامور لدى هلال خلال تلك الفتره اضاف هلال : بعد ذلك كان الاستاذ والفنان الراحل منير بشير ( واسطتي ) لدخول الاذاعة حيث كان مدير عام ( دائرة الفنون الموسيقية ) حتى رحيله رحمه الله، واصبحت انا مدير عام تلك الدائرة من بعده بسنوات عديده ! وكانت اولى انطلاقتي في الغناء هي في برنامج (ركن الهواة الشهير) ،وفي حين ظهور المطرب عبد الحليم حافظ في مصر واغنية ( حلفني حلفني ) واديتها بشكل جميل واهداني البرنامج ( تمثال صغير لبيتهوفن )! وتلاها بعد ذلك الاغنية التي قدمتني لجمهوري العراقي هي ( اغنية ياصياد السمك ) وانتشرت في حينها بشكل واسع جدا ،والغريب بالامر ان والدي الذي اعترض على انتمائي لمعهد الفنون الجميلة قد انتج لي بعد هذه الاغنية خمسة افلام غنائية ! كما انتج لي احد المخرجين بعد ذلك فلم ( درب الحب)! وهو اول فلم شبابي وفيه العديد من الاغاني ولم يكن من تلحيني !؟ بل من تلحين الفنان الراحل ( احمد الخليل)..
واسترسل بالقول : بصراحة اقول هذه المرحلة لم تكن هي رغبتي الحقيقية التي كنت اتمناها انذاك؟ وكما تعرفون فان اهتمامي منصب جدا على (التلحين والغناء) الذي اجيده جدا! واذكر اني قدمت اغنية اخرى مشهورة وهي (ردت انساك ) وهي اول اغنية تغنى من الشعر الشعبي انذاك وحققت نجاحا كبيرا وفي يومنا هذا يطلق عليها ( ترنـد)!! ،وقدمت بعدها الحانا كثيرة ومتميزة ولها اصدائها المعروفة ،واذكر المذيع ابراهيم الزبيدي حيث كنا متفقين للقيام بجولة فنية عربية، وحققنا ذلك بعد شهرة الاغاني والالحان التي قدمتها ،ولم تكن رحلتنا ناجحة في مصر كما كنت اتمناها !
مؤكدا هلال بعد ان تنهد قليلا : لقد عدت في عام 1969وبدات المرحلة السبعينية هنا في بغداد وهي مرحلة مميزة جدا وكنا انا والمطربين جاسم الخياط وحسين السعدي نمثل مرحلة الستينات ومن حسن حظهما انطلقا في فترة وجود الملحن الكبير المعروف احمد الخليل الذي اكن له كل الاحترام والتقدير، وقدم لحنين متميزين لجاسم الخياط وحسين السعيد وهي اغنية ( اربع حروف ) و( الشناشيل) التي انطلقوا بها جدا في تلك الفترة (ترند في هذا الزمن)! كما ظهر في هذه المرحلة ايضا محمد جواد اموري وطالب القره غولي ومحسن فرحان وكوكب حمزة، وفاضل عواد وحسين نعمه وياس خضر وحميد منصور ورياض احمد وسعدون جبار واسماء اخرى كبيره..
وحول تاثره بالطرب والالحان المصريه قال هلال : بكل صراحة لقد تاثرت فعلا بالمدرسة الغنائية المصرية، ولدي اطلاع عن المدرسة الاوربية بشكل عام، وقررت ان اعيد هيبة الغناء والتلحين من جديد واستذكرت الفشل في عام 1969 عند عودتي من مصر، فدخلت الاذاعة والتلفزيون مرة اخرى حيث قابلني المؤلف الغنائي كاظم عبد الجبار فوجدته هو الذي يشرف على توزيع الاغاني والنصوص، فسالني عن غيبتي هذه فقلت له : تعرف انا في خارج العراق فاكد لي ضرورة المشاركة معهم في الاعمال الفنية والغنائية وهذا كان في العام 1970 قدم لي نص غنائي وطلب مني الاسراع في تقديمه له وتسجيله كغناء متجدد ومضى شهرين ولم انفذه، وهكذا كنت أؤمن بشعار ( ابتعد عن التقليد تكون اقرب الى التجديد ! وفعلا ابتدات من هذا النص بانطلاقتي الجديدة والاغنية الرائعه بكل المقاييس الفنية وهي ( تعاليلي ..تعاليلي..وتعالي وكطري حنية .. تعاليلي وعذاب وحركة مابية وتعاليلي وكطري حنية ).. !!
واخيرا رحل عنا الفنان والانسان الطيب والحنون فاروق هلال رحمه الله ، ولم يكن هلال مجرد موسيقار أو مربي، بل كان روحاً عراقيةً نبيلة، أفنت عمرها في خدمة الفن والوطن، وزرعت الجمال في قلوب أجيالٍ كاملة، قبل أن تغادر الدنيا بصمتٍ موجع، بعيداً عن الأضواء التي طالما صنعها لغيره… وبعد سنوات من المرض والمعاناة وضيق الحال، أسدل الستار على حياة أحد أعمدة الموسيقى العراقية، الذي قدّم للوطن عمره وإبداعه، ولم ينتظر سوى شيءٍ من الوفاء في أيامه الأخيرة، لكنه رحل بصمت، وكأن العراق لم يفقد أحد أبرز صنّاع ذاكرته الفنية.
والمؤلم جدا ان جنازته المتواضعة كانت كمشهد ً يعتصر الضمير والقلب ألماً؛ فكيف لمن عزفت ألحانه في بيوت العراقيين، وربّى أجيالاً من الفنانين والطلبة، أن يُودَّع بهذا القدر من الغياب؟ وكأن سنوات عطائه الطويلة اختزلتها لحظات وداع صامتة، لا تليق بقامةٍ كبيرةٍ حملت اسم العراق في وجدان الفن ، لقد رحل فاروق هلال بجسده، لكن الألحان التي صنعها ستبقى شاهدةً على إنسانٍ عاش شريفاً، وأخلص لوطنه حتى آخر أيامه، دون أن يمد يده أو يساوم على مبادئه.
( واع) .. وتجدر الاشارة الى ان الفنان الراحل فاروق هلال قد ولد في بغداد عام 1935،المدينة التي تعرف كيف تُنجب الفن كما تُنجب الألم، وكيف تمنح أبناءها ذلك المزيج العجيب من الشجن والبهاء ، لقد كان هلال بغداديًا أصيلًا،من اهالي منطقة الصرافية، يحمل في شخصيته شيئًا من روح بغداد القديمة؛ بغداد التي كانت تعرف كيف تجعل من الحزن أغنية، ومن الحنين ذاكرة، ومن التفاصيل الصغيرة حكايةً لا تنتهي، لقد ترعرع بين نهرٍ وصوت، وبين أزقة تحفظ الحكايات وسماء تعلّم القلب كيف يصغي. ومنذ خطواته الفنية الأولى، بدا كأنه لا يغني ليطرب فحسب، بل ليترجم ما يعجز الناس عن قوله حين يشتد بهم الوجع أو يفيض بهم الحنين.
لقد كان فاروق هلال صوتا هادئًا، لكنه لم يكن هدوء العابرين؛ كان هدوء الفنان الواثق من عمق تجربته، المؤمن بأن النغمة الصادقة لا تحتاج إلى صخبٍ كي تصل، وأن الصوت حين يخرج من القلب يجد طريقه إلى القلوب، وفي ألحانه مسحةٌ من رهافة عراقية أصيلة، تمتزج فيها العاطفة بالوقار، والحنين بالاتزان، حتى تبدو الأغنية عنده كأنها رسالةٌ سرية من القلب إلى القلب، لا مجرد أداءٍ عابر على موجات الإذاعة أو فوق خشبة المسرح.


