واع / بعيداً عن الصيغ الجاهزة لشجب انتهاك السيادة…كيفية اختراق فيتو ترامب / اراء حرة /بقلم :حسين فوزي


ليس مستغرباً من الرئيس ترامب تغريدته المعترضة على اختيار الإطار التنسيقي للسيد نوري المالكي لتولي مهام رئيس مجلس الوزراء، فهو من امر باختطاف الرئيس الفنزويلي مادورا وزوجته من فراشهما ومحاكمته في نيويورك بتهم الاتجار بالمخدرات، وقبلها الإعلان عن مطامعه في ضم أراض دنماركية إلى الولايات المتحدة، بما أحدث فجوة كبيرة مع الاتحاد الأوربي.
وأنا شخصياً لست معنياً بالدفاع عن المالكي، بل في الأصل كنت وما زلت من ضمن الكتاب الذين طرحوا العديد من الانتقادات على الفترة الثانية من توليه رئاسة مجلس الوزراء، منها الابتعاد عن منهج التنمية المستدامة، سواء من خلال التعيينات بقصد الكسب الانتخابي، أوتعدد المهام الثقيلة التي تولاها إلى حد عدم تدقيقه، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، الجاهزية القتالية لقواتنا المسلحة في المحافظات التي اجتاحتها داعش الإرهابية، وغض نظره عن تجاوزات بعض الأطراف على حرية الرأي والتعبير واختطاف ناشطي الحراك الجماهيري المطالبين بملاحقة الفساد ونهب موارد الوطن، وتكليف جمع من الاقرباء والمقربين في مكتبه وإيغالهم في خرق الأنظمة والضوابط وشبهات فساد لبعضهم، كذلك تجاهل الكفاءات الوطنية من ذوي الرؤية العلمية لمعالجة ازمة البلاد الاقتصادية – السياسية والاجتماعية، وعدم مرونته في تخطي تحفظات، واحياناً رفض تعامل، الجوار العربي مع إدارته.
لكن بالمقابل هناك مجموعة حقائق مهمة ينبغي لأي موضوعي الاعتراف بها، في مقدمتها أن المالكي مشروع رجل دولة يتسم بقدرة كبيرة على الحسم بشجاعة، وابدى اكبر حرص على تخطي تصعيد المنصات في الانبار من خلال تبنيه حل عاجل بقبول كل مطالب المعتصمين الأربعة عشر، حرصاً على اللحمة الوطنية لمكونات الشعب العراقي، وقيادته بجرأة صولة الفرسان لفرض سيادة قانون الدولة في البصرة وجنوب العراق، وحرصه على قنوات التواصل مع سلطات إقليم كردستان واستبعاد الجيش عن معالجة الخلافات بين الطرفين، برغم كل مواقف إدارة الإقليم المتسمة بالعداء لإدارته، كما لم يعرف عنه سعيه لمكاسب مالية شخصية، مع وجود بعض بطانة العاملين معه للكسب الشخصي، كما أن المالكي برغم كل حسمه وتصلبه في اتخاذ القرار يتسم بدرجة عالية من الدماثة والتواضع اللذين لم نعرفهما حتى لدى بعض من هم بدرجة مدير عام، وليس رئيس مجلس وزراء وزعيم سياسي.
نحن حالياً امام موقف حاد لرئيس دولة عظمى احتلت العراق، وهي حامية عملياً للنظام القائم بعد خلع النظام الشمولي، وحارسة لأرصدة العراق من أية ملاحقات دولية، بكل ما يعنيه من نفوذ وحضور، بجانب ثقل ما لوح به ترامب من رفض التعاون والعقوبات في حالة تولي المالكي لرئاسة مجلس الوزراء، ومع أن النص الأصلي لتغريدة ترامب قال كلمة “اظن أن المالكي…” (I think…) التي حذفت بالترجمة عن قصد لتهويل الموقف، ليأتي النص بدون استدراك كلمة أظن، فأن السيد المالكي شخصياً والاطار التنسيقي عليهما الرد على الرئيس ترامب، بعيداً عن مجرد العبارات الجاهزة عن السيادة واحترام إرادة الأغلبية النيابية في اختيار السيد المالكي، المفروض التصدي للتغريدة من خلال إعلان مشروع برنامج عمل الحكومة المنتظرة برئاسة المالكي، وفي مقدمتها:

  1. تشريع قانون خدمة وظيفية موحد “يجتث” الهوة الكبيرة بين رواتب الدرجات الخاصة، ضمنها الرئاسات والوزراء والنواب، بحيث لا تكون اكثر من 5 اضعاف نظرائهم من الموظفين العموميين، كذلك إنهاء اية رواتب تقاعدية لا تخضع لقانون الخدمة العامة ومدد استحقاق التقاعد.
  2. تبني إجراءات عاجلة ملاحقة سراق المال العام والفاسدين في مؤسسات الدولة، وسد اية منافذ للفاسدين والسراق، وتعجيل إجراءات استرجاع المطلوبين والأموال المسروقة المودعة في بلدان أخرى. ودعم ديوان الرقابة المالية وتعزيز العلاقة مع هيئة النزاهة بما يحول دون اية معوقات أو تضارب في الصلاحيات، وبأشراف مباشر ممن يمثل رئيس مجلس الوزراء، واحياناً مشاركته الشخصية في دعم إجراءات المساءلة.
  3. تنفيذ عملي عاجل لإجراءات حصر السلاح في يد مؤسسات الدولة، مع ضمان حقوق مقاتلي الحشد الشعبي والتوظيف المدني للمؤهلين.
  4. تجنب أي ربط سككي لنقل البضائع مع إيران والكويت، وتعجيل انجاز مشروع طريق التنمية في أسرع وقت، مع الحرص على ضمان حقوق العراق في منفذه البحري في خور عبد الله، ومصلحة العراق في مصب الأنهار من إيران وتركيا.
  5. معالجة مدروسة تدريجية للترهل الوظيفي، وترشيق مجلس الوزراء وبقية المفاصل التنفيذية في الدولة، مع الحرص أن تكون المواقع التنفيذية والدرجات الخاصة للكفاءات العلمية والخبرات الإدارية النزيهة، وليس الأقرباء والمقربين الحزبيين. ووقف الإيفادات وترهل الموفدين، وقصر الإيفادات على النشاطات الكبرى، وتكليف سفرائنا بتمثيل العراق. وتقليص سفاراتنا وملاكاتها، والعمل بمبدأ السفراء غير المقيمين في العديد من دول العالم.
  6. تعجيل اصلاح النظام المصرفي، بدءاً من البنك المركزي، وتعزيز دور القطاع المصرفي الخاص في إدارة النشاط النقدي والمالي.
  7. تكريس المزيد من الاهتمام بالخدمات الطبية وتوفير الدواء، كذلك اصلاح النظام التعليمي والجامعي والنهوض بهما بما يعيدهما إلى المستوى الذي كانتا عليه أيام زمان.
  8. حسم مسك السلطة الاتحادية للمنافذ الحدودية، ضمنها المنافذ في الإقليم، وتعزيز سلطة الطيران المدني في ضبط رسوم العبور في المجال الجوي الوطني.
  9. ضبط جباية الضرائب والرسوم وفق الاتمتة، وتجنب سياسة الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل ذوي الدخل المحدود وبقية المواطنين.
  10. حسم تشريع قانون النفط والغاز من خلال مراجعة يتولاها خبراء حقيقيون يتسمون بالموضوعية بالاشتراك مع أطراف من الإقليم، كذلك تشريع قانون مجلس الاتحاد وإقامته عملياً.
    إن بيانات الشجب لانتهاك الرئيس ترامب للسيادة الوطنية والتدخل في شأننا الداخلي وحدها لن تقود سوى إلى تعزيز المشاكل التي نواجهها اقتصادياً، فالأزمة ستستفحل بحكم حتمية انخفاض أسعار النفط، وفي حالة تعرضنا إلى عقوبات جديدة، فأننا نعبئ سونامي سيعصف بالاستقرار وربما النظام السياسي القائم.
    الحل هو برنامج حكومي وطني للسيد المالكي وجدية التنفيذ بتجرد ونزاهة دفاعاً عن سيادة القرار الوطني العراقي في اختيار من يتولى إدارة شؤون البلاد، فهذا وحده يفرغ موقف ترامب ويسقط كل ذرائع تبريره التي ساقها بعد بدأه بكلمة “اعتقد”، وربما قد يطلع علينا بتغريدة يقول فيها أخطأت فيما اعتقدت، خصوصاً في ظل سياسة خارجية تعترف بالعلاقة الخاصة بالإدارة الأميركية والحرص على ادامتها على أساس المصالح المتبادلة، وفي الوقت نفسه تأكيد الالتزام بمبداً حسن الجوار واحترام العلاقات التاريخية والوشائج التي تربط العراق بجيرانه، ضمنهم إيران. وهي علاقة خدمت الولايات المتحدة في مناسبات عديدة، حتى كانت بغداد مكان لقاء ممثلي واشنطن وطهران في بغداد.