واع / بين حياكة الصبر وفن الممكن . . إيران تُعلم العالم أبجدية التفاوض السيادي/آراء حرة / بقلم : سهاد القيسي

تتمتع الدبلوماسية الإيرانية بنمط فريد يمزج بين إرث حضاري عريق وواقعية سياسية حادة، حيث يُنظر إلى المفاوض الإيراني كحائك سجاد صبور يغزل خيوط السياسة بدقة متناهية ليصنع في النهاية لوحة تخدم مصالح بلاده الوطنية.
إن السر في نجاح هذه المدرسة السياسية يكمن في تقديم “الكرامة” كقيمة عليا لا تقبل المساومة، حيث ترفض طهران منطق الإملاءات وتصر على التفاوض من موقع الند للند مهما بلغت الضغوط الخارجية.
هذا الاعتزاز بالذات السياسية ليس مجرد شعار عاطفي، بل هو تكتيك مدروس يهدف إلى رفع تكلفة التنازل لدى الطرف الآخر وإجباره على احترام الثوابت الإيرانية.
​ويتجلى الذكاء السياسي الإيراني في القدرة الفائقة على إدارة الوقت وتحويل الأزمات إلى أوراق قوة؛ فبينما يميل الغرب إلى الحلول السريعة والحاسمة، يفضل الإيرانيون “نفس الطويل” واستنزاف الخصم بالهدوء والثبات.
لقد استطاعت إيران بفضل هذا الدهاء أن تحافظ على استقلال قرارها السياسي وسط إقليم عاصف، متبعةً استراتيجية “السهل الممتنع” التي تظهر المرونة في الشكليات والصلابة في الجوهر.
إنها مدرسة تؤمن بأن الشجاعة في التفاوض لا تعني التهور، بل تعني القدرة على قول “لا” في اللحظات الحاسمة، والتمسك بالحرية والسيادة كحقوق أصيلة غير خاضعة للمقايضة، مما جعل من الدبلوماسية الإيرانية رقماً صعباً يحظى باحترام الخصوم قبل الأصدقاء.