واع / من سرق أهداف الحسين؟ تحقيق في اختطاف رسالة الطف/ آراء حرة/ نبيل هادي الشمري
بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا على واقعة الطف، لا يبدو السؤال الأهم هو: كيف قُتل الحسين؟ بل: ماذا بقي من مشروعه؟
قد يبدو هذا السؤال صادمًا، لكنه يستحق أن يُطرح بجرأة. فالمكتبات امتلأت بروايات المقتل، والمنابر ازدحمت بسرد تفاصيل المأساة، والمدن غُطيت بالسواد، لكن أين مشروع الإصلاح الذي خرج الحسين من أجله؟
اللافت أن معظم الخطاب الديني يطالب الناس بإحياء الذكرى، لكنه نادرًا ما يدعوهم إلى مراجعة الواقع الذي يعيشونه. فإذا كان الحسين قد خرج رفضًا للظلم والفساد والانحراف، فلماذا لا تتحول ذكراه إلى موسم لمحاسبة الفاسدين، ومراجعة أداء المؤسسات، وإحياء قيمة العدل؟ ولماذا ينحصر الاهتمام في الطقوس بينما تبقى أهداف النهضة في الهامش؟
إن المتتبع لكثير من الخطابات المعاصرة يلاحظ أن التركيز ينصب على استدرار العاطفة أكثر من بناء الوعي. فكلما ازدادت مشاهد الحزن، عُدَّ ذلك نجاحًا، بينما لا يُسأل أحد: هل أصبح المجتمع أكثر صدقًا؟ هل انخفض الفساد؟ هل ترسخت قيم الأمانة والرحمة والعدل؟
وهنا يبرز سؤال استقصائي مشروع: من المستفيد من تحويل الطف إلى حدث عاطفي دائم، بدل أن تبقى مشروعًا إصلاحيًا دائمًا؟
ليس المقصود اتهام جهة بعينها، وإنما التنبيه إلى أن أي فكرة عظيمة يمكن أن تُفرَّغ من مضمونها عندما يُستبدل الهدف بالوسيلة، وتصبح الطقوس غاية في ذاتها بدل أن تكون وسيلة لتجديد القيم التي قامت عليها النهضة.
القرآن لا يجعل معيار القرب من الله كثرة المظاهر، وإنما يربطه بالعدل والإصلاح والعمل الصالح. وعندما نقرأ الآيات التي تتحدث عن الأنبياء والرسل، نجد أن محور دعوتهم كان إقامة القسط ومحاربة الفساد، لا تكريس طقوس منفصلة عن أثرها الأخلاقي والاجتماعي.
ولو عاد الحسين اليوم، فهل سيرضى بمجتمع يرفع اسمه بينما يتسامح مع الرشوة، والظلم، والتمييز، وسرقة المال العام، وانتهاك حقوق الناس؟ وهل كان هدفه أن تبقى قصته تُروى كل عام، أم أن تتحول مبادئه إلى سلوك يومي؟
ربما آن الأوان لإعادة فتح ملف الطف من زاوية مختلفة: ليست زاوية من قتل الحسين، فالتاريخ أجاب عن ذلك، بل زاوية من عطّل رسالته، ومن حوّل ثورته إلى مناسبة موسمية، ومن أقنع الناس أن الولاء يُقاس بالمشهد لا بالموقف، وبالدمعة لا بالعدالة، وبالشعار لا بالإصلاح.
إن الأمم لا تنهض بتقديس الماضي وحده، بل بتحويله إلى مشروع للمستقبل. وإذا بقيت عاشوراء ذكرى تُستعاد دون أن تُغيّر الواقع، فإن الخسارة لا تكون خسارة التاريخ، بل خسارة الحاضر.
لقد انتصر قتلة الحسين في يوم عاشوراء بالسيف، لكن الانتصار الحقيقي للحسين لا يتحقق إلا عندما يصبح مشروعه في الحرية والعدل والإصلاح .


