واع / جرّهم إلى حرب شيعية شيعية؟/ آراء حرة/ اوس محمد
حين يصبح سلاح الفتنة أخطر من السلاح نفسه
من قال إن معالجة ملف السلاح في العراق تعني فتح أبواب حرب جديدة؟
ومن قال إن الطريق إلى دولة القانون يمرّ عبر دفع العراقيين إلى مواجهة بعضهم بعضاً؟
ومن المستفيد من تحويل قضية سياسية وقانونية معقدة إلى صراع داخل البيت الشيعي؟
هذه الأسئلة لم تعد ترفاً سياسياً بل أصبحت ضرورة وطنية.
فالحديث عن تسليم سلاح فصائل المقاومة لا يمكن أن يتحول إلى حملة ضغط أو تصعيد سياسي يوحي بأن المطلوب هو وضع طرف عراقي في مواجهة طرف عراقي آخر.
العراق ليس ناقص حروب والشيعة في العراق ليسوا بحاجة إلى حرب شيعية_شيعية جديدة يدفع ثمنها المواطن البسيط، بينما يجلس صانعو الأزمات بعيداً عن رائحة البارود.
نحن أمام ملف دولة وليس ملف تصفية حسابات.
نعم السلاح يجب أن يخضع للدستور والقانون، وهذه قاعدة لا ينبغي أن تكون موضع جدال. فالدستور العراقي ينص على حظر تشكيل الميليشيات العسكرية خارج إطار القوات المسلحة، ويجعل السيادة للقانون كما يؤكد التداول السلمي للسلطة وحل النزاعات بالوسائل السلمية.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت أعلى هو: كيف نعالج هذا الملف؟
هل نعالجه بالحوار والمؤسسات والقانون؟
أم نفتح الباب أمام الاستفزاز والتخوين والتصعيد ثم ننتظر الشرارة الأولى؟
من يريد دولة قوية عليه أن يتصرف بمنطق الدولة، لا بمنطق الفتنة.
ومن يريد حصر السلاح بيد الدولة فليضع مشروعاً قانونياً واضحاً على الطاولة وليذهب به إلى المؤسسات الدستورية وليحدد بوضوح من يشمله القرا، وما هو الوضع القانوني لكل تشكيل وما حقوق منتسبيه وما آليات التنفيذ ومن يتحمل مسؤولية تطبيقه.
أما أن تُرمى شعارات كبيرة في الهواء ثم يُترك الشارع ليستقبل نتائجها فهذه ليست دولة قانون.
والأخطر من ذلك أن أي محاولة لدفع الفصائل أو القوى الشيعية إلى مواجهة بعضها بعضاً لن تكون معركة محدودة يمكن السيطرة عليها متى شاء السياسيون. العراق يعرف جيداً كيف تبدأ الفتنة لكنه يعرف أيضاً أن أحداً لا يستطيع أن يضمن أين تنتهي.
لقد عشنا سنوات من الدم والانقسام وخسرنا أبناءً وأصدقاء وبيوتاً ومستقبلات فلا يجوز أن نتصرف وكأن ذاكرة العراقيين قصيرة إلى هذا الحد.
لا تجعلوا من ملف السلاح وقوداً لحرب شيعية–شيعية.
لا تدفعوا أبناء المكوّن الواحد إلى مواجهة بعضهم بعضاً.
ولا تحوّلوا الخلاف السياسي إلى معركة في الشارع.
إذا كان هناك خلاف على الشرعية أو التنظيم أو الصلاحيات فالقضاء موجود.
وإذا كان هناك خلاف على التشريع فمجلس النواب موجود.
وإذا كانت هناك مشكلة في الأداء أو القرار فالحكومة ومؤسسات الدولة موجودة.
وإذا كان المطلوب إعادة تنظيم أوضاع تشكيلات معينة فذلك يحتاج إلى قانون واضح وآلية واضحة وضمانات واضحة.
أما الفتنة فلا تحتاج قانوناً تحتاج فقط إلى شرارة.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة لكل من يفكر في دفع العراق بهذا الاتجاه:
لن يكون المواطن العراقي وقوداً لمعارك السياسيين.
لن تكون المدن العراقية ساحة لتصفية الحسابات.
ولن يكون الدم الشيعي–الشيعي حلاً لأي أزمة سياسية.
إن الدولة التي تريد أن تحصر السلاح بالقانون عليها أولاً أن تثبت أن القانون هو الحكم على الجميع وأن المؤسسات هي الطريق وأن الحوار هو البداية وأن القوة لا تُستخدم إلا ضمن الأطر الدستورية والقانونية.
أما أن يُقال للعراقيين: سلّموا سلاحكم ثم يُترك خلف هذا المطلب فراغ سياسي وأمني ومجتمعي فهذا ليس مشروع دولة بل مغامرة بمستقبل بلد كامل.
العراق يحتاج إلى إطفاء الفتنة لا إلى إدارة الفتنة.
والعقلاء في هذا البلد يعرفون أن أخطر معركة ليست تلك التي يرفع فيها الخصم سلاحه بل تلك التي تجعل الأخ يرفع سلاحه بوجه أخيه.
فلا تجرّوا العراق إلى حرب جديدة.
ولا تجرّوا الشيعة إلى حرب شيعية–شيعية.
ولا تجعلوا من قضية يمكن حلها بالحوار والقانون سبباً لفتح جرح جديد في جسد العراق.
السلاح له مكانه في الدولة والخلاف له مكانه في المؤسسات، والسياسة لها طاولتها… أما الشارع فلا ينبغي أن يكون ساحة للحرب.
وإذا كان الهدف فعلاً هو بناء دولة قوية فلتبدأ المعالجة من حيث يجب أن تبدأ:
من الدستور من القانون، من الحوار ومنع الفتنة.
فالعراق لا يحتاج إلى حرب أخرى كي يثبت أنه يريد دولة.
العراق يحتاج فقط إلى رجال دولة يمنعون الحرب قبل أن تبدأ.


