واع / انهيار شركة التوافق القابضة/ اراء حرة/ ضياء المياح
تقع شركة التوافق القابضة في بناية ضخمة في قلب المدينة. في الحقيقة أنها لم تكن سوى مؤسسة فاسدة متعفنة رغم التماع هيكلها الخارجي. لأكثر من عشرين عاماً والشركة تدار بفساد يتبعه فساد، فساد له أول وما له أخر، حتى أصبحت هذه الشركة توصف بأنها أم الفساد في هذه البلاد. لقد كانت هذه الشركة قبل ذلك تدار من قبل شخص واحد يتحكم بمقدراتها حتى ثار عليه المساهمون في الشركة وتخلى عنه أعضاءها المهمين وتحولت إلى شركة قابضة يتشارك في ادارتها الرئيسية نيرون وسديم وجلمود.
يدير هذه الشركة رئيسها التنفيذي نيرون، وهو رجلٌ يهوى إشعال الحرائق ليبقى في الضوء وفي القمة. كان سُديم هو مدير حسابات الشركة، الرجل الذي يخلط أرقام أموال الشركة عمداً ليبقى كل شيء ضبابياً، فيأخذ ما يأخذ منها ويتستر على ما ياخذه نيرون وجلمود وأخرين. أما جلمود، فكان وجوده في مجلس ادارة الشركة هو لأعاقة اي إصلاح يمكن ان يحدث، فهو كتمثال لا يتحرك إلا ليقف عائقا أمام أي تغيير.
في طابق الشركة السفلي، حيث الانارة ضعيفة والجو كئيبا، كانت الموظفة أمل تكتب بصدق وأخلاص التقارير المالية والإدارية والمقترحات والتي تنتهي في الأدراج المغلقة. وكان زميلها عابر موظفا صامتا يرى كل شيء ولا يتكلم. بدت الأزمات المالية والإدارية متتالية حتى وصل الأمر حدا لا ينفع معه التعديل أو التصحيح. أرباح الشركة وهمية وديونهم كبيرة جدا، لا مشاريع ولا بناء ولا تنمية. كان يوما مشؤوما حينما اجتمع مجلس ادارة الشركة ليبدو الأمر وكأنه انفجارا لواجهة سعوا لأن يغطونها لسنوات وسنوات.
ارتبك نيرون وهو يصرخ أنها مؤامرة! وبحث سٌديم عن ارقام تعطيهم أملا في الاستمرار، لكن حقيقة الارقام كانت واضحة في حين ضرب جلمود الطاولة بقبضته متأففا. في وسط الفوضى، تقدّمت أمل بخطوات ثابتة، وقالت بشجاعة: أنها ليست مؤامرة، أنها وجوهكم الحقيقية. بنيتم عفنا وفسادا وحصدتم دمارا ورمادا، أنهار البناء عليكم وعلينا! فما ذنبنا نحن وانتم الفاسدون. كان صوتها ضعيفاً لكنه اخترق القاعة كخيط نورٍ في عتمة. التفت إليها عابر، ولأول مرة نطق قائلاً: “لقد رأيت كل شيء، أنتم لم تديروا شركة، بل كنتم تتقاسمون جثةً منذ أكثر من عشرين عاماً.”
ساد صمتٌ ثقيل، ثم جلبة مدوية حتى بدأ الموظفون يخرجون من الباب الرئيسي للشركة واحداً تلو الآخر، تاركين نيرون ورفاقه في قاعة مظلمة. بدأ الأمر وكأنه انهيار كامل، لا إصلاح فيه، لكن في زاوية القاعة، ظلّت أمل واقفة، لا تهتزّ أمام العاصفة. اقترب منها عابر، وقال بصوتٍ خافت: لقد انتهى عهدهم، لكن لم ينته كل شيء بعد، ما زال هناك متسعا في الأرض يمكن أن نبني عليها شيئا جديدا.
ابتسمت أمل، وأخرجت من حقيبتها دفتراً صغيراً كانت تخفيه منذ سنوات. لم يكن دفتر حسابات، بل دفتر أفكار، فيه مخططات لمؤسسة بديلة، تقوم على الشفافية والعمل الجماعي. وضعت الدفتر على طاولة كبيرة متسخة، كأنها تزرع بذرة وسط الخراب.
قالت: “لن ننتظر أن يُصلحوا ما أفسدوه. سنبني نحن، بعيداً عن هذه الجدران المتعفّنة. مؤسسة صغيرة، لكنها نزيهة، وستكبر يوماً لتكون بديلاً حقيقياً.” نظر إليها عابر، ثم مدّ يده ليضعها فوق الدفتر، وبدأ وكأنهما يعلنان بداية عهد جديد. فمن قلب الانهيار، لا بد من ولادة فكرة، ومن بين الرماد، لا بد أن يلوح أفق جديد. في خارج مبنى الشركة، حين رأى الموظفون أمل وعابر يسيران معاً بخطوات كانت واثقة، كأنهما يسيران نحو فجرٍ جديد.، لم يكن أحد يصدق أن الأمل يمكن أن يولد من بين أنقاض الفساد.


