واع / من يحمي العراقي من الغش في طعامه؟، آراء حرة/ بقلم: أوس محمد
حين يصبح طبق المواطن ساحة للغش أين أجهزة الرقابة؟ لم يعد الأمر يتعلق بمطعم خالف التعليمات أو صاحب محل حاول تحقيق ربح سريع.
نحن أمام قضية أخطر بكثير مواطن يذهب إلى المطعم وهو يعتقد أنه يشتري طعامًا آمنًا، بينما قد يكون ما يوضع أمامه مجهول المصدر أو لحومًا لا تمت بصلة إلى ما يُفترض أن تكون عليه.
ما كُشف مؤخرًا من ضبط حالات تتعلق باستخدام لحوم حمير وخنازير في بعض المطاعم إن ثبتت نتائج التحقيقات والفحوصات بشأنها يجب ألا يمر مرور الكرام، لأن القضية لا تتوقف عند صاحب المطعم وحده بل تفتح بابًا واسعًا أمام سؤال لا يمكن تأجيله.
أين كانت الرقابة؟ أين الرقابة الصحية؟ أين الرقابة الغذائية؟ أين متابعة مصادر اللحوم؟ أين التفتيش على المطاعم والمخازن والمجازر ووسائل نقل اللحوم؟ وكيف يمكن للحوم مجهولة أو مخالفة أن تجد طريقها إلى مطبخ مطعم ثم إلى مائدة المواطن؟
هل لا تتحرك الأجهزة الرقابية إلا بعد أن تقع الجريمة ويتم اكتشافها؟ هذه ليست حملة إعلامية تنتهي بعد أيام وليست مجرد ضبطية تُعلن ثم تُغلق ملفاتها. نحن نتحدث عن صحة ملايين العراقيين، وعن غذاء يدخل أجسادهم بصورة يومية.
والأكثر إيلامًا أن المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة. هو لا يملك مختبرًا ليفحص قطعة اللحم أمامه ولا يستطيع معرفة مصدرها ولا يعرف من أي مجزرة جاءت ومن نقلها ومن خزنها ومن أجاز بيعها.
فما ذنب المواطن الذي دفع من ماله وأكل وهو يثق بأن الدولة تقوم بواجبها؟ وما ذنب العائلة التي تناولت وجبة كاملة داخل مطعم دون أن تعلم شيئًا عن مصدر اللحوم؟ وما ذنب الأطفال الذين يتناولون الطعام خارج المنزل؟
إذا كان صاحب المطعم يتحمل المسؤولية عن الغش فإن الجهات الرقابية تتحمل مسؤولية أخرى لا تقل أهمية: منع وصول الغذاء المشبوه إلى المواطن من الأساس.
وهنا يجب أن نتوقف عن التعامل مع الرقابة على أنها جولات تفتيش موسمية تُجرى بعد انتشار الأخبار. نريد رقابة حقيقية ومستمرة. نريد تتبعًا لسلسلة توريد اللحوم من المجزرة إلى المخزن ومن المخزن إلى المطعم.
نريد فحوصات مختبرية حقيقية، نريد سجلات واضحة للمجهزين والمجازر المعتمدة.
نريد معرفة من يراقب ومن يوقّع ومن يسمح ومن يحاسب. والأهم من ذلك كله نريد أن نعرف ماذا يحدث عندما تفشل الرقابة؟
لأن العقوبة لا يجب أن تتوقف عند إغلاق مطعم أو فرض غرامة مالية على صاحب منشأة بل يجب أن تصل إلى كل من يثبت تورطه أو تقصيره أو تواطؤه وفق القانون.
من يتاجر بصحة الناس من أجل الربح لا يستحق التساهل. ومن يثبت أنه قدم غذاءً مغشوشًا أو غير صالح للاستهلاك البشري يجب أن يواجه عقوبة رادعة تتناسب مع خطورة ما ارتكبه لأن المال يمكن تعويضه أما صحة الإنسان فلا يمكن التعامل معها بهذه البساطة.
وفي الوقت نفسه يجب ألا يتحول هذا الملف إلى اتهام جماعي للمطاعم وأصحابها فهناك الكثير من أصحاب المطاعم الذين يلتزمون بالمواصفات ويحرصون على سلامة زبائنهم. لكن هؤلاء أيضًا من حقهم أن تعمل الدولة على حماية السوق من المنافس الذي يغش ويخفض كلفته على حساب صحة الناس.
المشكلة ليست في المطعم وحده المشكلة في الطريق الذي أوصل اللحم إلى المطعم. وهنا تقع المسؤولية على أكثر من جهة. فالرقابة تبدأ من المصدر لا من طبق الزبون. إذا كانت الدولة تريد حماية المواطن فعلًا فعليها أن تعرف من أين جاءت اللحم قبل أن تعرف إلى أين ذهبت. إن ما نحتاجه اليوم ليس بيانات تطمئن الناس بعد اكتشاف المخالفات بل إجراءات تمنع تكرارها. نحتاج إلى منظومة رقابية تعمل قبل وقوع الضرر لا بعده.
فالرقابة التي تصل بعد أن يأكل المواطن ليست رقابة كاملة. والمواطن العراقي ليس حقل تجارب وصحته ليست مساحة مفتوحة أمام ضعاف النفوس والمتاجرين بالغذاء.
لذلك نقولها بوضوح: حاسبوا من يغش وحاسبوا من يقصر وشددوا الرقابة واكشفوا مصادر اللحوم وأعلنوا نتائج الفحوصات للرأي العام.
فمن حق العراقي أن يدخل المطعم وهو مطمئن وأن يطلب وجبته دون أن يحتاج إلى أن يسأل نفسه.
هل هذا اللحم الذي أمامي آمن فعلًا؟ أم أنني دفعت ثمن الغش من صحتي؟
إن حماية غذاء المواطن ليست منّة من أحد وليست إجراءً ثانويًا. إنها واجب الدولة وأي تقصير فيها هو تقصير بحق الإنسان قبل أن يكون تقصيرًا بحق القانون.


