واع / الفنان الكبير حافظ العيبي… حين لا يكون التمثيل مجرد دور / اراء حرة / بقلم: تحسين صبار
هناك أسماء تمر في تاريخ الفن ثم تصبح جزءاً من الذاكرة وهناك أسماء لا تمر أبداً لأنها تترك خلفها شيئاً لا تستطيع السنوات أن تمحوه
ومن بين هذه الأسماء يقف الفنان الكبير حافظ العيبي حاملاً تجربة فنية لا تختصرها شخصية ولا يحاصرها عمل واحد
حافظ العيبي ليس ممثلاً يقف أمام الكاميرا ليؤدي دوره ثم ينتهي كل شيء
هو ممثل يعرف أن الكاميرا لا تكشف الوجه وحده بل تكشف الصدق
ولهذا كان حضوره مختلفاً
فالممثل الحقيقي لا يحتاج إلى أن يرفع صوته كي يفرض وجوده ولا يحتاج إلى المبالغة كي يلفت الانتباه لأن حضوره وحده قادر على صناعة المشهد
وهذه هي قيمة الفنان الكبير حافظ العيبي
ممثل صنع حضوره بالتجربة
على امتداد مسيرته الفنية وقف حافظ العيبي إلى جانب أسماء مهمة من كبار المخرجين العراقيين والعرب وخاض تجارب متعددة جعلت منه واحداً من الوجوه التي تستحق أن تُقرأ تجربتها بعيداً عن الكلام التقليدي
العمل مع المخرج الكبير ليس أمراً سهلاً
فكل مخرج صاحب رؤية وكل عمل له عالمه وكل شخصية تحتاج إلى روح مختلفة
لكن الفنان المتمكن يستطيع أن يدخل إلى هذا العالم دون أن يفقد هويته
وهذا ما يمنح تجربة حافظ العيبي قيمتها
لقد كان حاضراً في مساحة التمثيل بوصفه صاحب تجربة وليس مجرد مؤدٍ لدور
ما الذي يجعل الممثل كبيراً؟
ليس العمر وحده
وليست كثرة الأعمال وحدها
ولا الشهرة وحدها
الممثل الكبير هو الذي يستطيع أن يجعل المشاهد ينسى أنه يشاهد ممثلاً
وحين يصدق المشاهد الشخصية التي أمامه يكون الفنان قد انتصر
وهنا يمكن فهم مكانة حافظ العيبي
فهو من جيل يعرف أن التمثيل ليس استعراضاً وإنما بناء للشخصية وفهم للنص وإحساس بالمشهد واحترام للمهنة
جيل كان يعرف أن الكاميرا لا تحتاج إلى ممثل يبحث عن نفسه أمامها بل تحتاج إلى ممثل يبحث عن الشخصية
ذاكرة لا تمحوها السنوات
قد تتغير الشاشة وتتغير أدوات الإنتاج وتتبدل الأذواق لكن هناك شيئاً واحداً لا يتغير
ذاكرة الجمهور
الجمهور قد ينسى تفاصيل كثيرة لكنه لا ينسى الفنان الذي ترك فيه إحساساً حقيقياً
ولهذا فإن قيمة الفنان لا تقاس فقط بما قدمه في زمنه وإنما بما يبقى منه بعد مرور الزمن
والفنان الكبير حافظ العيبي من الفنانين الذين يستحقون أن تبقى تجربتهم حاضرة لأن الحديث عنه ليس استعادة لاسم من الماضي بل استعادة لقيمة فنية وإنسانية تنتمي إلى تاريخ التمثيل العراقي
حافظ العيبي… أكثر من اسم
حين نكتب عن فنان كبير يجب ألا نحوله إلى مجرد سيرة مليئة بالعناوين
علينا أن نقرأ الإنسان خلف الممثل
ذلك الإنسان الذي عاش سنوات من العمل والانتظار والتعب والوقوف أمام الكاميرا والتعامل مع المخرجين والزملاء والجمهور
كل ذلك يصنع شيئاً لا يمكن أن تمنحه الشهرة وحدها
يصنع الخبرة
والخبرة هي رأس مال الفنان الحقيقي
لهذا فإن الفنان الكبير حافظ العيبي اليوم لا يحتاج إلى تعريف بقدر ما يحتاج إلى قراءة تليق بتجربته
كلمة أخيرة
الفن العراقي لم يكن يوماً فقيراً بالأسماء الكبيرة
لكنه كان دائماً بحاجة إلى من يتذكر هؤلاء الأسماء ويعيد وضعها في المكان الذي تستحقه
والفنان الكبير حافظ العيبي واحد من هذه الأسماء
فنان حمل مهنته بجدية وترك بصمته في عالم التمثيل وعمل مع كبار المخرجين العراقيين والعرب وكان جزءاً من مرحلة فنية لها قيمتها وخصوصيتها
ولأن الفنان الحقيقي لا ينتهي بانتهاء العمل
تبقى الشخصيات التي قدمها شاهدة عليه
وتبقى ذاكرة الجمهور هي المسرح الأخير الذي لا تُسدل ستارته
حافظ العيبي ليس مجرد ممثل ظهر على الشاشة
حافظ العيبي ذاكرة فنية تمشي على قدمين
وتجربة تستحق أن تروى لا أن تختصر


