واع / حين يُهان المثقف ويُباع المنصب في سوق المصالح/ آراء حرة/ بقلم :أوس محمد
في بلدي لم تعد المشكلة في قلّة الكفاءات بل في قلّة من يعرفون قيمتها. فكم من مثقفٍ وصاحب شهادة وخبرة يقف على هامش الفرص بينما يتقدّم غيره بفضل واسطةٍ أو علاقةٍ أو مصلحة.
حين يصبح المنصب سلعةً في مزاد المصالح، لا يعود السؤال من الأجدر بتولّيه بل من الأقدر على الوصول إليه؟
وليس البيع والشراء بالمال وحده فهناك من يصل بولائه ومن ترفعه علاقاته، ومن تفتح له المصالح أبواباً تُغلق في وجه أصحاب الكفاءة.
والمؤلم أن المثقف الذي يُفترض أن يكون صوت العقل وضمير المجتمع قد يجد نفسه غريباً في بيئة تكافئ المجاملة وتضيق بالرأي الصريح وتمنح القرب من أصحاب النفوذ قيمةً تفوق أحياناً قيمة العلم والخبرة.
لسنا نقول إن الشهادة وحدها تصنع مسؤولاً ناجحاً ولا إن كل صاحب منصب وصل إليه بغير استحقاق لكننا نطالب بمعيار عادل يجعل الكفاءة والنزاهة والخبرة أساساً للاختيار لا العلاقات والمحسوبية وتبادل المصالح.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس حرمان شخصٍ من فرصة يستحقها بل أن يرى الشباب أن الاجتهاد لا يكفي، وأن سنوات الدراسة قد تصبح أقل قيمةً من اتصال هاتفي أو توصية من صاحب نفوذ عندها لا نخسر فرصةً وظيفية فحسب بل نخسر ثقة جيلٍ كامل بقيمة العلم والعمل.
الوطن الذي لا ينصف كفاءاته لا يحق له أن يتساءل طويلاً عن أسباب رحيلها أو صمتها أو إحباطها.
نحن لا نريد مجتمعاً يقدّس المثقف لمجرد ثقافته ولا مجتمعاً يتهم كل مسؤول بل نريد دولةً تحترم الاستحقاق ومؤسساتٍ لا تُدار بالمجاملات ومناصبَ تُمنح لمن يستطيع أن يخدم الناس لا لمن يستطيع أن يصل إليها بأي ثمن.
وفي الختام يبقى السؤال:
إلى متى نطالب أبناءنا بالتعلّم والتفوق،
ثم نتركهم يكتشفون أن الطريق إلى بعض المواقع لا يمرّ دائماً من بوابة الكفاءة.
فالأوطان لا تنهض بكثرة أصحاب المناصب بل بنزاهة من يتولاها ولا تُبنى بكثرة الشهادات بل بالعقول التي تجد فرصةً حقيقية لخدمة وطنها.
أوس محمد | مقالات اجتماعية


