واع / سيوف التسعير وسوق “الدفاع السعري”: هل تنجح الدولة العراقية في كبح جماح الغلاء؟/ آراء حرة / الدكتور احمد الحاج
في ظل موجات تضخم عالمية تضرب أسواق المنطقة، وتقلبات اقتصادية تهدد استقرار المعيشة، وجد العراق نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يحمي مواطنه من ارتفاعات سعرية “خيالية” قد تلتهم دخله الشهري؟ الإجابة التي تتبلور اليوم على أرض الواقع تقوم على مقاربة مزدوجة: تشديد القبضة الرقابية، وضخ سلعي مباشر يقطع الطريق على المضاربين.
لم يعد الحديث عن “سياسة الدفاع السعري” مجرد تنظير اقتصادي. فالمستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، يؤكد أن إشاعة مراكز التسوق التعاونية الكبرى (الهايبر ماركت) في عموم الجغرافيا الاقتصادية للبلاد “مثّلت إحدى أنجع الأدوات في التصدي للمخاطر السعرية التي كانت تولدها السوق الموازية للصرف”. فكرة الهايبر ماركت هنا ليست مجرد منافذ بيع، بل أداة تدخل مباشر بيد وزارة التجارة، تتيح طرح المواد الغذائية بأسعار تقل عن السوق بنسبة تتجاوز 20% عند حدوث أي ارتفاعات مفاجئة.
على الورق، يبدو المشروع بسيطاً: توزيع مواد أساسية بأسعار مدعومة. لكن في الميدان، يصف رياض الموسوي، مدير عام الرقابة التجارية في وزارة التجارة، السلة الغذائية بأنها “أداة أساسية لتنظيم اقتصاد السوق”، لأنها تضم المواد المرتبطة مباشرة بمعيشة المواطن، وتنظيم توزيعها وتسعيرها الدقيق “يسهم في السيطرة على حركة الاقتصاد والأسعار إلى حد كبير”. ويشير المتحدث باسم الوزارة، محمد حنون، إلى أن “ضخ كميات كبيرة من مواد السلة الغذائية أسهم بشكل كبير في معالجة ارتفاع الأسعار وضبط إيقاع المواد الغذائية والاستيراد,
تاريخياً، عرف العراق مفهوم “التسعيرة الجبرية” التي كانت تُلزم التجار بسعر محدد، وتصل عقوبة مخالفتها إلى السجن لمدد تصل إلى سبع سنوات. أما اليوم، فقد استُبدلت هذه الآلية بالقبضة الأمنية والرقابية المباشرة. فقد أعلنت وزارة الداخلية عن اعتقال 1275 متلاعباً بالأسعار منذ مطلع محرم وحده. كما شكلت فرق رقابية مشتركة من وزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني والرقابة التجارية تعمل يومياً في الأسواق العامة والمعامل الصناعية.
في أيلول 2024، أعلنت وزارة التجارة عن خطوة لافتة: الانتهاء من “تسمية وتسعير” 25 مادة غذائية أساسية لمنع التلاعب بأسعارها، مع توفيرها في مراكز تسويقية بأسعار تقل عن السوق بنسبة 20%. هذا الإجراء يجمع بين الرقابة الإدارية والمنافسة السعرية المباشرة، حيث تعمل هذه المراكز “كبديل عن السوق التجارية عندما تتعرض السوق التجارية إلى ارتفاع وتذبذب في الأسعار”.
لا تقتصر الاستراتيجية على الأسعار فقط، بل تمتد إلى تأمين المخزون. ويؤكد وزير التجارة أثير الغريري أن العراق يمتلك “خزيناً غذائياً يكفي أكثر من ثمانية أشهر” مع اكتفاء ذاتي في الحنطة والطحين يتجاوز عاماً كاملاً. هذا الاحتياطي يمنح الدولة قدرة على ضخ كميات إضافية في السوق عند الحاجة، مما يعطل أي محاولة للتلاعب بالأسعار عبر افتعال شحّ مصطنع.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل. فالتعرفة الجمركية التي فرضتها الحكومة نهاية العام الماضي أثارت موجة غلاء، حيث يؤكد عضو لجنة الاقتصاد النيابية جوتيار السندي أن “فرض الحكومة للتعرفة الجمركية أدى إلى تفاقم” ارتفاع الأسعار. كما أن ضغوطاً تضخمية مستوردة، من قبيل ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى نحو 150 ألف دينار، تضعف أثر أي إجراء محلي، إذ يجد المستورد نفسه مضطراً لتسعير سلعه على أساس سعر الصرف الموازي وليس الرسمي.
ان السيطرة الحكومية على الأسعار في العراق ليست ترفاً نظرياً، بل حل طارئ تفرضه أوضاع معيشية هشة. من الهايبر ماركت إلى السلة الغذائية، ومن الرقابة الميدانية إلى الاحتياطي الاستراتيجي، تبدو الدولة العراقية وكأنها تبني سداً من الإجراءات في مواجهة طوفان الغلاء. لكن السؤال الذي يبقى معلقاً: هل تكفي هذه السدود لصدّ موجة لا يتوقف ارتفاعها عند حدود الجغرافيا؟ الإجابة قد لا تكون في يد بغداد وحدها، بل في استقرار إقليمي ودولي يظل بعيداً عن السيطرة.


