واع / العراق يستحق الأمل… فلا تيأسوا من رحمة الله/ آراء حرة / بقلم :الدكتور هاشم خليل ارزوقي
وصلتني رسالة من صديق عزيز، ابن بلدتي ومسقط رأسي، أعرف أسرته الكريمة وما أصابها من تضحيات وفقد. كتب يعاتب تفاؤلي بحاضر العراق، ويسأل بمرارة: ماذا تنفع الدعوة إلى الأخلاق في مجتمع تفككت فيه الروابط، وكثر فيه الفساد والنفاق، وضعف الرادع الأخلاقي؟
لم أستطع أن أقرأ رسالته بوصفها رأيًا عابرًا؛ كانت شهادة عمرٍ مثقل بالإهانة والغربة والحنين. حكى كيف واجه إساءة موظف متسلط حين كان شابًا يبحث عن عمل بعد خدمته العسكرية، وكيف مضى به الطريق إلى هجرة امتدت ستة وأربعين عامًا بعيدًا عن أهله وأحبته.
وأنا أعرف أن وراء رسالته وجوهًا عراقية كثيرة: أمًّا فقدت ولدها، وأبًا ضاع تعب عمره، وشابًا انسد أمامه طريق العمل، ومغتربًا شاخ وهو ينتظر فرصة لقاء. هؤلاء يحتاجون إلى إنصاف، وإلى من يسمعهم ويحترم أسباب ألمهم.
لكن صديقي ذكر في رسالته أمرًا يستحق أن نتوقف عنده: رغم كل ما عاناه، كان يساعد في جمع الأدوية والمستلزمات المدرسية للعراقيين، من دون طمع أو ولاء سياسي أو ديني.
هنا وجدت جوابي: ما زال الخير حاضرًا، حتى في قلب الإنسان الذي أنهكه اليأس. فالظلم لم ينتزع منه الرحمة، والغربة لم تقطع صلته بأطفال وطنه.
إن تفاؤلي بالعراق يستند إلى وجود هؤلاء الناس، وإلى ما يمكن أن يفعلوه حين تتحول أخلاقهم إلى عمل منظم وموقف عام. وهو تفاؤل يحمل مسؤولية؛ فلا يجوز أن نطالب المظلوم بالصبر ثم نترك الظالم بلا حساب، أو نعظ الفقير بالأمانة بينما نحمي سارقي قوت الناس.
نعم، المواعظ وحدها لا تكفي. يحتاج العراق إلى قانون يُطبَّق بعدالة، ومؤسسات تحمي الحقوق، وتعليم يبني العقل والضمير، ومحاسبة تستند إلى الأدلة وتشمل كل من تثبت مسؤوليته. وتحتاج هذه المؤسسات إلى مواطنين يرفضون الرشوة والمحسوبية، ويحترمون كرامة الإنسان، ولا يبررون الظلم لأن مرتكبه من جماعتهم.
ولكل واحد منا موضع يبدأ منه: في البيت بتربية الأبناء على الصدق، وفي المدرسة بصون كرامة الطالب، وفي الوظيفة بخدمة المواطن، وفي المجتمع بمساندة المحتاج وكشف التجاوز بمسؤولية. قد تبدو هذه الأعمال صغيرة أمام حجم الخراب، لكنها تمنع امتداده وتُنشئ قدوة يستطيع الآخرون اتباعها.
يقول الله تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. وفي الرجاء برحمته ما يقوّي الإنسان على النهوض بعد التعثر، وعلى إصلاح ما يستطيع إصلاحه. والإيمان يدعونا كذلك إلى مراجعة أنفسنا وتحمل مسؤوليتنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
يا أهل العراق، من حقنا أن نحزن، ومن واجبنا أن نطالب بحقوقنا، ولنا أن نختلف ونعترض. فلنحذر أن تتحول خيباتنا إلى حكمٍ نهائي على شعب كامل أو على أجيال لم تأخذ فرصتها بعد.
إلى صديقي العزيز، وإلى كل عراقي أنهكته السنوات: إن وفاءكم رغم الجراح ثروة لهذا الوطن. نحتاج شهادتكم كي تتعلم الأجيال، ونحتاج حكمتكم كي لا تتكرر المآسي، ونحتاج بقاء الأمل في قلوبكم كي يجد الشباب من يسند خطواتهم.
رحم الله من فقدنا، وجبر قلوب من بقوا، وأعاننا على أن نجعل محبتنا للعراق عدلًا ورحمةً وعملًا. فالعراق يستحق أن نواصل السعي من أجله، وأبناؤه يستحقون غدًا أكرم.


