واع / مغالطة التكلفة الغارقة.. حين نضحّي بالمستقبل كي لا نعترف بخسارة الماضي/ آراء حرة / بقلم: نبيل هادي الشمري
هناك خطأ نفسي واقتصادي يقع فيه كثير من الناس دون أن ينتبهوا إليه، وهو أن يستمر الإنسان في طريق خاسر لمجرد أنه أنفق عليه الكثير من المال أو الوقت أو المشاعر. وكأنه يحاول إقناع نفسه بأن الاستمرار سيعيد إليه ما فقده، بينما الحقيقة أن ما مضى قد مضى، وأن الإصرار على الاستمرار قد يضاعف الخسارة بدلاً من تعويضها.
في علم الاقتصاد يُطلق على هذه الحالة مصطلح «مغالطة التكلفة الغارقة» (Sunk Cost Fallacy)، وهي تعني أن الإنسان يتخذ قراراته المستقبلية متأثراً بما أنفقه في الماضي، رغم أن تلك التكاليف أصبحت غير قابلة للاسترداد، ولا ينبغي أن تكون سبباً في مواصلة قرار لم يعد مجدياً.
خذ مثلاً شخصاً اشترى تذكرة لمشاهدة فيلم سينمائي، وبعد نصف ساعة اكتشف أن الفيلم ممل ولا يستحق المشاهدة. لكنه يرفض مغادرة القاعة لأنه دفع ثمن التذكرة! فيبقى حتى النهاية، ليس لأنه يستمتع بالفيلم، بل لأنه لا يريد الاعتراف بأنه خسر ثمن التذكرة.
لكن ما الذي حدث فعلياً؟ لقد خسر ثمن التذكرة منذ لحظة شرائها، أما بقاؤه في القاعة فلم يُعِد إليه أمواله، وإنما أضاف إلى خسارته وقتاً كان بإمكانه استثماره في شيء أكثر متعة وفائدة.
وهنا تكمن المفارقة: إنه لا يحاول استعادة ما خسره بقدر ما يضحّي بما لا يزال يمتلكه.
من الاقتصاد إلى العلاقات الإنسانية
لا تتوقف هذه المغالطة عند المال والاستثمارات والمشروعات التجارية، بل تمتد إلى العلاقات الإنسانية والعاطفية، وربما تكون أكثر تعقيداً وتأثيراً في هذا المجال.
فقد يتعلق الإنسان بشخص ما، ويمنحه مشاعره واهتمامه ووقته، ويبني معه توقعات وآمالاً، ثم يكتشف بعد شهرين أو ثلاثة، أو حتى بعد فترة أقصر أو أطول، أن العلاقة لا تسير في الاتجاه الصحيح، وأنها أصبحت مصدراً للقلق والاستنزاف بدلاً من الطمأنينة والسعادة.
ومع ذلك يستمر فيها، لا لأنه يجد فيها ما يستحق البقاء، بل لأنه لا يريد أن يعترف بأن ما قدمه من مشاعر واهتمام وتوقعات لم يصل إلى النتيجة التي أرادها.
وهنا يقع في الفخ نفسه؛ فهو يحاول تعويض ما فقده بمزيد من الوقت والمشاعر، دون أن يدرك أن استمرار العلاقة لا يضمن استعادة ما مضى، بل قد يضيف خسائر جديدة إلى خسارته السابقة.
فليست العبرة بعدد السنوات أو الأشهر التي قضيناها في علاقة ما، وإنما بطبيعة تلك العلاقة وما تقدمه لنا اليوم، وما يمكن أن تقدمه لنا مستقبلاً.
إن احترام المشاعر التي قدمناها لا يعني أن نحكم على أنفسنا بالبقاء في علاقة لم تعد مناسبة، كما أن إنهاء علاقة غير ناجحة لا يعني أن مشاعرنا السابقة كانت بلا قيمة. فقد تكون التجربة درساً، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى قيد يمنعنا من اتخاذ قرار أفضل.
عقل الإنسان وكراهية الخسارة
من الأسباب التي تفسر هذه الظاهرة ما يعرف في علم النفس السلوكي بـ«النفور من الخسارة» (Loss Aversion)، أي أن الألم النفسي الناتج عن خسارة شيء ما يكون غالباً أشد من متعة الحصول على شيء مماثل له في القيمة.
ولهذا قد يتمسك الإنسان بما يعرف أنه لم يعد مفيداً، لأن فكرة خسارته تؤلمه أكثر من فكرة استمرار استنزافه.
فهو لا يريد أن يخسر المال الذي دفعه، ولا الوقت الذي استثمره، ولا المشاعر التي بذلها، ولا القرارات التي دافع عنها أمام الآخرين.
وأحياناً لا يكون التمسك بالقرار دفاعاً عن القرار نفسه، بل دفاعاً عن صورة الإنسان أمام ذاته والآخرين، حتى لا يضطر إلى القول: لقد أخطأت في الاختيار.
وهكذا يتحول الخوف من الاعتراف بالخسارة إلى خسارة جديدة، وقد يصبح الإنسان أسيراً لقرار قديم، لا لأنه ما زال يؤمن بصحته، بل لأنه يخشى الاعتراف بأنه لم يكن موفقاً فيه.
الماضي لا يعود، لكن المستقبل ما زال ملكنا
المشكلة الحقيقية أن الإنسان حين يصر على إنقاذ ماضٍ لا يمكن استعادته، قد يضحّي بمستقبل لا يزال بإمكانه تغييره.
فالمال الذي أُنفق لن يعود لمجرد أننا واصلنا الإنفاق، والوقت الذي مضى لن يعود لمجرد أننا بقينا في علاقة مستنزفة، والجهد الذي بذلناه في مشروع غير ناجح لن يتحول إلى نجاح بمجرد مضاعفة الجهد فيه.
ليس المطلوب أن يهرب الإنسان من أول عقبة، أو أن يتخلى عن علاقاته ومشروعاته عند أول اختلاف، فهناك فرق بين الصبر الواعي والإصرار الأعمى، وبين الوفاء للاستثمار الناجح والاستسلام لاستنزاف مستمر.
المعيار الحقيقي هو أن نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً:
لو لم أكن قد أنفقت هذا المال، أو عشت هذه التجربة، أو بذلت كل تلك المشاعر والجهود، فهل سأختار اليوم أن أبدأ هذا الطريق من جديد، وأنا أعرف ما أعرفه الآن؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فعلينا أن نتوقف قليلاً ونعيد تقييم خياراتنا، بعيداً عن ضغط الماضي والتعلق بما لم يعد بالإمكان استعادته.
الانسحاب ليس دائماً هزيمة
في الحياة، ليست البطولة أن نستمر في كل شيء بدأناه، وليست الحكمة أن ندافع عن كل قرار اتخذناه.
أحياناً تكون الشجاعة في أن نغادر مشروعاً خاسراً، وأن ننهي علاقة مستنزفة، وأن نتوقف عن استنزاف أعمارنا في معارك لا تحقق نتيجة.
فالإنسان ليس مطالباً بأن يثبت صحة جميع قراراته السابقة، بل أن يمتلك الشجاعة لمراجعتها وتصحيحها متى اكتشف أنها لم تعد تخدم أهدافه.
والأمر لا يقتصر على الأفراد؛ فالمؤسسات والدول أيضاً قد تقع في هذه المغالطة، حين تستمر في تمويل مشروع فاشل لمجرد أنها أنفقت عليه أموالاً طائلة، أو تتمسك بسياسة ثبت فشلها خوفاً من الاعتراف بالخطأ. وفي هذه الحالة لا تكون الخسارة في الأموال التي أُنفقت فقط، بل في الفرص التي ضاعت والموارد التي استُنزفت والمستقبل الذي تأخر.
ولعل أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يجعل خسارته السابقة مبرراً لخسارات جديدة.
أنت لا تحاول إنقاذ الماضي، أنت أحياناً تضحّي بالمستقبل كي لا تعترف بخسارة الماضي.
هذه ليست دعوة إلى التخلي عن الصبر أو الوفاء أو تحمل المسؤولية، وإنما دعوة إلى امتلاك الوعي الذي يميز بين ما يستحق أن نواصل من أجله، وما ينبغي أن نتوقف عنده.
فما ذهب لا يعود، لكن ما تبقى من أعمارنا ووقتنا وطاقتنا ما زال


