واع / لماذا أصبح العراق بلداً مثقلاً بالحروب والفقر والجهل والفساد؟/آراء حرة / نبيل هادي الشمري

العراق ليس بلداً عادياً في ذاكرة التاريخ؛ إنه أرض الحضارات، وموطن حمورابي، وأرض شهدت نشوء الكتابة، وتطوّر العلوم والمعارف، وظهور الشرائع والأفكار التي تركت أثرها في تاريخ الإنسانية. ومن هذه الأرض امتدّت مساهمات في الرياضيات والفلك والطب وغيرها من ميادين المعرفة.
لكن السؤال الذي يؤلم كل عراقي: كيف لأرض بهذا التاريخ أن تعيش كل هذه الحروب والأزمات، وأن يعاني أبناؤها الفقر والفساد وتراجع الخدمات والتعليم؟
أعتقد أن أحد أخطر أسباب أزمتنا هو تفكك المجتمع وضياع الهوية الوطنية الجامعة.
العراق بلد متعدد الأديان والمعتقدات؛ فيه المسلم والمسيحي واليهودي والإيزيدي والصابئي، وفيه تنوع واسع داخل الدين الواحد والمذهب الواحد. وكان من الممكن أن يكون هذا التنوع مصدر غنى حضاري وإنساني، لولا أن تحوّل في مراحل مختلفة إلى وسيلة للفرقة والصراع والتنافس على السلطة والنفوذ.
لم يتوقف الانقسام عند حدود الأديان والمذاهب، بل امتد إلى داخل الدين الواحد، بين الطوائف والمراجع ورجال الدين والرموز. ثم تسلّل إلى الأسرة الواحدة، بل إلى البيت الواحد، حتى أصبح من الممكن أن يعيش أخوان تحت سقف واحد، لكن لكل منهما ولاء مختلف ورمز يقدّسه، وربما ينظر إلى الآخر بعين الشك أو الخصومة.
وهنا تكمن المأساة: حين تصبح الرموز أكثر أهمية من الإنسان، والانتماءات الفرعية أقوى من الانتماء للوطن، يتحول الاختلاف من حالة طبيعية إلى جدار يفصل المواطن عن أخيه المواطن.
لكن هل يكفي الانقسام وحده لتفسير واقع العراق؟
لا. فالحروب والتدخلات الخارجية، والاستبداد، وضعف المؤسسات، والفساد المالي والإداري، وسوء إدارة الثروات، كلها عوامل ساهمت في صناعة هذا الواقع. غير أن المجتمع المنقسم يصبح أقل قدرة على مواجهة هذه المشكلات، وأكثر عرضة للاستغلال باسم الدين أو المذهب أو القومية أو الحزب.
إن المشكلة ليست في أن يكون للعراقي دين أو مذهب أو رمز يؤمن به، بل في أن يصبح ذلك سبباً لانتقاص حقوق الآخرين أو إضعاف الدولة أو تمزيق المجتمع.
نحن بحاجة إلى أن نعيد ترتيب أولوياتنا. نريد وطناً يحترم عقائد أبنائه جميعاً، لكنه لا يسمح بأن تكون العقيدة وسيلة لاحتكار السلطة أو تبرير الفساد. نريد دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والكفاءة أساس المسؤولية، والعمل والإنتاج طريق التقدم، وكرامة الإنسان حقاً لا منّة من أحد.
انظروا إلى الدول التي تقدمت؛ لم تتقدم لأنها خالية من الاختلافات، بل لأنها استطاعت، بدرجات متفاوتة، بناء مؤسسات واقتصاد وتعليم يجعل المواطن شريكاً في صناعة المستقبل.
أما العراق، فلا تنقصه الثروات ولا التاريخ ولا العقول. ما ينقصه هو مشروع وطني جامع، وإرادة حقيقية لمحاربة الفساد، وإصلاح التعليم، وتشجيع الإنتاج، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة.
ولن يتحقق ذلك ما دمنا نعلّم أبناءنا كيف يختلفون في الرموز والانتماءات أكثر مما نعلّمهم كيف يفكرون وينتجون ويحترمون بعضهم بعضاً.
رسالتي إلى الجيل القادم:
لا تطلبوا من العراقي أن يتخلى عن عقيدته، بل اطلبوا منه ألا يجعلها سلاحاً ضد أخيه. لا تطلبوا منه أن يتشابه مع الآخرين، بل أن يحترم اختلافهم. ولا تجعلوا ولاءكم للرموز بديلاً عن مسؤوليتكم تجاه وطنكم.
فالعراق أكبر من الأحزاب، وأوسع من الطوائف، وأبقى من الرموز، وأغلى من كل صراع على السلطة والنفوذ.
نعم لبناء الوطن، نعم لكرامة المواطن، نعم للعلم والعمل والإنتاج، ونعم لعراق يتسع لجميع أبنائه.
فالوطن الذي لا يستطيع أن يجمع أبناءه على العدل والكرامة والمصلحة المشتركة، سيظل يدفع ثمن انقسامهم مهما امتلك من ثروات.
أما العراق الذي نحلم به، فهو العراق الذي يتنافس فيه أبناؤه على بناء المدارس والمستشفيات والمصانع والجامعات، لا على تعميق الخلافات؛ العراق الذي يفتخر فيه الإنسان بعقيدته، ويفتخر أكثر بأنه مواطن عراقي يساهم في بناء وطنه.
فهل آن الأوان لأن نجعل الوطن أولاً، والإنسان أولاً، وكرامة العراقي فوق كل اعتبار؟