واع / حين تختلّ الموازين… من يقرع أجراس الإصلاح؟ / آراء حرة/ بقلم: نضال السامرائي

عندما يصبح الطبيب مريضاً بضميره، والمعلم جاهلاً برسالته، وشيخ العشيرة طامعاً بمكانته، ورجل الدين واعظاً بلسانه، غافلاً عن واجبه، وعندما تتحول المرأة إلى أداة للاتجار بالمخدرات، ويصبح الناس كأنهم سكارى وما هم بسكارى، ويستشري الربا، وتتسع المسافة بين العبد وخالقه حتى تكاد تصبح مسافة لا تُقاس…

في مثل هذه الأجواء، لا بد من قرع طبول حرب من نوع آخر؛ حرب على الفساد والانحراف، وحرب لاستعادة القيم وإعادة التوازن إلى المجتمع، لا حرباً تهدم الأوطان وتزهق الأرواح.

نريد للطبيب أن يعود إلى إنسانيته، وأن يتحرر من جشع المادة، فيداوي المريض بضمير الإنسانية قبل أن يداويه بالدواء، ويكون همه الأول إنقاذ حياة الإنسان، لا استنزاف جيبه. فلا تحاليل طبية تُفرض باتفاقات مسبقة بين الطبيب والمختبر، ولا وصفات علاجية بمئات الآلاف من الدنانير تُفرض بتفاهمات بين الطبيب والصيدلية. فحين تتحول مهنة الطب إلى تجارة، وتصبح مافيات الأدوية شريكاً في صناعة السموم وتسويقها، فإن الضحية الأولى والأخيرة هي حياة الإنسان.

ونريد للمعلم أن يستعيد قدسية رسالته التربوية، فالمعلم يكاد يكون رسولاً في عظمة رسالته وأثره في بناء الأجيال. نريده معلماً يحمل العلم والوعي، لا مجرد موظف يلقي محاضرة صماء، بينما يعيش طلابه في عوالم أخرى. نريده أن ينظر إلى عقول طلابه قبل أن ينظر إلى الساعة في هاتفه، مترقباً انتهاء الدرس، وأن يسأل نفسه: ماذا قدمت؟ وما المعلومة التي غرستها في عقولهم؟ وكيف أسهمت في بناء شخصياتهم ومستقبلهم؟ فالتعليم ليس ساعات تُستكمل، بل عقول تُبنى وأجيال تُصنع.

أما شيخ العشيرة، الذي تحولت بعض دواوينه إلى مظاهر من الترف والبذخ، فقد باتت مكانة بعضهم الاجتماعية وسيلة لتحقيق المصالح والنفوذ، من خلال حشد أبناء عشائرهم لهذا السياسي أو ذاك، بالضغط تارة والترغيب تارة أخرى، من أجل إيصال أشخاص لا يحملون من المسؤولية سوى أطماعهم. ثم لا تمر إلا مدة قصيرة حتى نسمع بإلقاء القبض على ذلك السياسي بتهم تتعلق بسرقة المال العام وحقوق الأيتام والأرامل والمساكين. ومع ذلك، لا يتعظ بعض شيوخ العشائر، ولا يشعرون بالحرج من مواقفهم السابقة، وكأن مسؤوليتهم الأخلاقية تجاه أبناء عشائرهم لا تعنيهم.

أما رجل الدين، فإننا نريده حاضراً في حياة الناس، لا يقتصر حضوره على المناسبات والطقوس. فلا ينبغي أن يكون صوته مسموعاً فقط عندما ينقطع المطر، فيخرج الناس إلى صلاة الاستسقاء؛ فإن نزل المطر عُدّ ذلك دليلاً على بركة الدعاء، وإن لم ينزل، غابت الأسئلة والمراجعات! إن رسالة رجل الدين أوسع من ذلك بكثير؛ إنها رسالة إصلاح للنفوس، ومواجهة للظلم والفساد، ونصرة للمظلوم، وإحياء للقيم التي جاء بها الدين.

أما المرأة، وهي نصف المجتمع وصانعة النصف الآخر، فلها الدور الأكبر في التربية وبناء الأجيال، وغرس قيم الأمانة والتقوى والشجاعة والرحمة في نفوس الأبناء. إنها شريك أساسي في صناعة الإنسان الصالح، وحصن من حصون المجتمع في مواجهة الانحراف والتفكك.

أما الناس، فلا طريق حقيقياً لنجاتهم وكرامتهم إلا بالعودة الصادقة إلى خالقهم، جلّ في علاه، والتمسك بالقيم الإيمانية والأخلاقية، والعمل الصالح، وردّ الحقوق إلى أصحابها. فالله يكرم من صدق معه، ويعز من تمسك بمبادئه، ويهدي من أراد لنفسه طريق الاستقامة.

إن الرسالة العظيمة التي جاء بها المصطفى محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيته الكرام، لم تكن مجرد شعائر تؤدى، بل منظومة متكاملة من العدل والرحمة والصدق والأمانة وصيانة حقوق الإنسان.

وعندما تعود هذه القيم إلى حياتنا، وتستعيد المهن رسالتها، وتؤدي الشخصيات الاجتماعية والدينية مسؤولياتها، وتعود الأسرة إلى دورها التربوي، عندها فقط تخفت طبول الحرب، وتتراجع وجوه الفساد والانحطاط، وتختفي النماذج البشرية التي تتغذى على خراب المجتمع.

عندها تعود الأرض إلى سلامها، ويعيش الإنسان بكرامته، ويسود الرخاء والهدوء، ويصبح الوطن مكاناً يليق بأبنائه.

فالمجتمعات لا تنهض بكثرة ما تملك من ثروات، بل بما تمتلكه من ضمائر حيّة، وعقول واعية، وقيم لا تُباع ولا تُشترى.

ت/ ز.ن