واع / «جلسة سرّية»: الجحيم بوصفه الآخر/ آراء حرة / بقلم الكاتبة: هدى زوين
تُعدّ مسرحية «جلسة سرّية» واحدة من أبرز الأعمال المسرحية الفلسفية التي أعادت تعريف مفهوم الجحيم خارج صورته التقليدية، لتقدّمه بوصفه حالة وجودية ونفسية معقّدة. لا تقوم هذه المسرحية على مشاهد الرعب أو أدوات التعذيب الجسدي، بل على مواجهة الإنسان لذاته من خلال الآخرين، في فضاء مغلق تتحول فيه العلاقات الإنسانية إلى أقسى أشكال العذاب.
تبدأ المسرحية بدخول ثلاثة أشخاص إلى مكان يكتشفون تدريجيًا أنه الجحيم. غير أن هذا الجحيم يأتي مخالفًا لكل التوقعات؛ فهو ليس كهفًا مظلمًا ولا ساحة نيران مشتعلة، بل غرفة أنيقة مؤثثة على طراز الإمبراطورية، تخلو من النوافذ، وتوحي للوهلة الأولى بالراحة والسكينة. هذا التناقض الصارخ بين المكان الفخم والمصير المأساوي يشكّل المدخل الدرامي الأساسي للنص، ويزرع في نفس المتلقي شعورًا بالقلق والترقّب.
يعلم الشخوص منذ البداية أنهم في الجحيم، لكن دهشتهم تكمن في غياب أي مظهر تقليدي للعذاب. لا توجد آلات تعذيب، ولا أصوات صراخ، ولا جلادون. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الغياب ذاته إلى مصدر توتر خانق. فالزمن يبدو معلّقًا، والمكان مغلقًا، ولا مفرّ من البقاء مع الآخرين. هنا تبدأ المسرحية في تفكيك شخصياتها نفسيًا، حيث يكشف كل فرد عن ماضيه وأخطائه، محاولًا تبرير أفعاله أو التخفيف من ثقل ذنوبه.
تتصاعد الأحداث عبر حوارات مشحونة بالتوتر، تتحول فيها الكلمات إلى سكاكين معنوية. يسعى كل شخص إلى فرض رؤيته على الآخرين، أو الدفاع عن صورته الذاتية، غير أن وجود الآخر يصبح مرآة قاسية تفضح الزيف وتعرّي التناقضات. فكل شخصية تحمل جحيمها الخاص، لكنها تُجبر على مشاركته مع الآخرين، فيتحول الصراع النفسي إلى دائرة مغلقة من الاتهام والإنكار والهيمنة.
تبلغ المسرحية ذروتها حين يدرك الشخوص الحقيقة المفصلية: لم يُجمعوا في هذا المكان ليُعذَّبوا بالنار أو الأدوات، بل ليُعذّبوا بعضهم بعضًا. فالجحيم الحقيقي ليس المكان، بل العلاقة. الآخر هو العقاب الدائم، والنظرة هي السوط، والكلمة هي الجرح الذي لا يندمل. في هذه اللحظة، تنكشف الفكرة الفلسفية العميقة للنص: الإنسان قد يكون أشد قسوة على الإنسان من أي قوة غيبية.
تقدّم «جلسة سرّية» قراءة وجودية للذنب والمسؤولية، وتطرح تساؤلات جوهرية حول الحرية، والاختيار، والهوية. إنها مسرحية تحاكم الإنسان أمام ذاته، وتضعه في مواجهة مباشرة مع صورته الحقيقية كما يراها الآخرون. ومن خلال بساطة المكان وقوة الحوار، تؤكد أن أقسى أنواع الجحيم قد يكون ذاك الذي نصنعه بأيدينا، حين نُحبس داخل علاقات لا خلاص منها.
لا تمنح المسرحية خلاصًا أو تطهيرًا، بل تترك المتلقي أمام حقيقة صادمة: الجحيم ليس نارًا تشتعل في مكان بعيد، بل وجودٌ دائم مع الآخر، بلا أقنعة، وبلا مهرب. بهذه الرؤية، تكرّس «جلسة سرّية» مكانتها كنص مسرحي فكري عميق، يتجاوز زمنه ويظل قادرًا على مساءلة الإنسان في كل عصر.
كاتبة وإعلامية


