واع / العراق ليس ولاية لاحد ..!!/ اراء حرة/ المحلل الستراتيجي: عبد الغني الغضبان

منذ أكثر من عشرين عامًا، والعراق يدفع ثمن موقعه الجغرافي وثرواته، حتى تحول إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي. وما يثير القلق اليوم أن كلما بدأت الدولة العراقية بخطوات جادة نحو فرض القانون وملاحقة الفساد، سارعت عواصم إقليمية إلى إرسال كبار مسؤوليها إلى بغداد، في توقيت يثير الكثير من علامات الاستفهام.

الزيارة المفاجئة للجنرال إسماعيل قاآني، وكذلك زيارة رئيس جهاز المخابرات التركي، لا يمكن فصلها عن المشهد السياسي والأمني الذي يمر به العراق. ويرى كثير من المراقبين أن هذه التحركات جاءت في ظل حملة حكومية تستهدف ملفات حساسة، الأمر الذي أثار تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت بعض الأطراف الإقليمية تحاول التأثير في مسار القرارات العراقية أو حماية حلفائها تحت عناوين مختلفة.

مرة يكون الشعار “حماية المكون الشيعي”، ومرة أخرى “حماية المكون السني”، بينما الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الفاسد لا مذهب له، والسارق لا طائفة له، ومن يعتدي على المال العام لا يمثل إلا نفسه.

العراق ليس بحاجة إلى من يحدد له من يُحاسَب ومن يُستثنى من القانون. هذه مسؤولية القضاء العراقي وحده، إذا استند إلى الأدلة والإجراءات القانونية السليمة، بعيدًا عن الضغوط السياسية والإقليمية.

إن أخطر ما يواجه العراق ليس الفساد وحده، بل محاولة إلباس الفساد عباءة الطائفة أو القومية. فعندما يصبح المتهم “ممثلًا لمكون”، تتحول العدالة إلى رهينة، وتصبح الدولة عاجزة عن محاسبة أي نافذ.

على الحكومة العراقية أن تعلنها بوضوح: لا حصانة لفاسد بسبب انتمائه، ولا استثناء لأحد بسبب داعميه في الخارج. فسيادة العراق لا تتجزأ، واستقلال قراره ليس موضوعًا للتفاوض، مهما كان اسم الزائر أو حجم الدولة التي يمثلها.

لقد تغير العراق، وتغير شعبه. العراقيون اليوم أكثر وعيًا من أي وقت مضى، وهم يرفضون أن تتحول بلادهم إلى ساحة صراع بين المشاريع الإقليمية. يريدون دولة تحكمها المؤسسات، لا العواصم الخارجية، ويطالبون بقضاء لا يخضع إلا للقانون، وحكومة لا تنحني إلا لإرادة شعبها.

إن بناء الدولة يبدأ من لحظة تقول فيها بغداد للجميع: مرحبًا بالعلاقات المتوازنة والاحترام المتبادل، لكن لا مرحبًا بأي تدخل في القضاء أو في القرار السيادي العراقي.

لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن العراق ليس محافظة تابعة لهذا الطرف أو ذاك، وليس صندوق بريد لتبادل الرسائل بين القوى الإقليمية. إنه دولة ذات سيادة، وشعبها هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين الشيعة والسنة، ولا بين العرب والكرد أو غيرهم، بل بين دولة تريد أن تستعيد هيبتها، وبين منظومة فساد وتبعية تخشى قيام عراق قوي، مستقل، وقادر على حماية ثرواته وقراره الوطني.

فإذا كانت هناك رسالة يجب أن تصل إلى كل من يحاول التأثير في القرار العراقي، فهي رسالة واحدة: العراق للعراقيين، والقانون فوق الجميع، والسيادة ليست محل مساومة