واع / ضفتان لنهر واحد/ اراء حرة/ ضياء المياح
سجاد وعٌمر مهندسان يعملان في ترميم مبنى عباسي قديم يطل على نهر دجلة وسط بغداد. كل منهما يرى أفضليته على الاخر! فسجاد يرى نفسه أبن حضارات العراق القديمة والمنارة التي اضاءت العالم لقرون طويلة. هو من يطل على مياه الخليج ويستظل بالنخيل ولا يرى زميله عٌمر إلا أبن صحراء قاسية مأكله الجفاف ومشربه الغبار يجيد مسك البندقية، وثقافته البداوة الجامدة لا يعرف النغم ولا العزف على المزمار، لا وجود للزراعه في دنياه. أما عٌمر، فيرى نفسه عربيا أصيلا شجاعا أمينا وذو مروءة، وهو أبن من حفروا الأبار في الصخر ووضعوا قانون القبيلة العربية الأصيلة وصورتها البهية. وما سجاد في نظر عٌمر إلا أبن مستنقعات، رطب كقصبة ناي، حياته غناء وسمر وثقافته هشة ومتغيرة كموج الخليج.
الخلاف بينهما مستمر في النظرة لبعضهما وفي كل شيء ولأي سبب كان. سجاد يرى الفن الحقيقي بإضافة زخارف نباتية ملتوية، تشبه ضفائر النخيل وأوراق البردي. وعٌمر يرى أن الفن الحقيقي بالزخارف الهندسية الجافة المتكررة، كأنها خطوط الكثبان الرملية أو عٌقد الخيام. خلافاتهما امتدت إلى الأكل والزمن والدين. سجاد كان يشرب شايا بسكر كثير في صينية نحاسية ملوّنة. وهو يفضل السمك المسكوف ويسخر من الثريد الأنباري والكباب المشوي على نار الحطب، مدعيا ان الخلفاء كانوا يأكلون أكل البصرة. أما عٌمر فكان يستخف السمك المسكوف ويفضل الكباب كرجل لا يخاف اللهب.
في يوم ما، وبينما هما مختلفان على تثبيت قوسٍ حجريٍّ فوق المبنى العباسي القديم، هبّت عاصفة بغبار كثيف على بغداد. كانت أعمدة السقالات الخشبية القديمة تتزعزع، وسمعا صريراً ثم انهار جزء من الجدار المؤقت على مقربة من أساسات القوس الأثري. بدأ سجاد بمحاولة رفع الركائز الخشبية، لكن ذلك لم يكن كافيا. تحرك عٌمر سريعا وأمسك الحبال المتدلية وعقدها كأنه يعقد أوتاد خيمة في الصحراء. رغم الحبال القوية المعقودة، أزداد الموقف تعقيدا بسبب استمرار العاصفة. صاح سجاد مناديا عٌمر؛ احضر كيس اسمنت جاف وملح، وحينما جلبهما، بدا سجاد يخلطهما بالماء ثم يحشو الشقوق العميقة كأنه يداوي جرحا.
عندما توقفت العاصفة، وساد الهدوء الموقع الأثري، كان غبار العاصقة قد غطاهما وبدا تنفسهما ثقيلا والقوس العباسي ما زال صامدا بحبال عٌمر وخلطة سجاد. جلسا متقابلين على عتبة المبنى العباسي وكأن بغداد تحتضنهما معا. قال سجاد: وطني لوحة لا تكتمل إلا بالماء. وأردف عٌمر: وطني حجر لا يلين وهو يضيء العتمة. صمتا طويلا بعدها، وأدارا وجهيهما صوب دجلة. حينها أدرك سجاد ان خشونة حبال عٌمر لم تكن عبثا، بل هي من تربط الخيمة في الأرض امام العواصف. وأدرك عٌمر أن طين سجاد ليس ضعيفا، بل هو ما يسدّ ثقوب البناء ليصمد أمام العواصف.
نظر كل منهما للأخر بمحبة وأحترام ونهضا في نفس الوقت. وضع سجاد يده على ظهر عٌمر بلطف. وأمسك عٌمر كتف سجاد ساحبا أياه نحوه بمودة، ونزلا سلم المبنى متوجهين صوب شارع المتنبّي القريب. كان الزحام شديدا واصوات الباعة والمارة تختلط ببعضها كأنها أغنية بصرية بدبكة أنبارية.


