واع / ثقافة الفضيحة… بين القانون الرادع وغياب الثقة/ آراء حرة/ حسين باجي الغزي

في تصريح لافت، أعلنت وزارة الداخلية أن “ثقافة الفضيحة بدأت تنتشر ونحتاج إلى قانون رادع”، وهي عبارة تختصر أزمة متفاقمة في الفضاء الرقمي، لكنها في الوقت ذاته تفتح بابًا أوسع من مجرد تشريع جديد. فالقضية لا تتعلق فقط بكيفية المعاقبة، بل بأسباب انتشار هذه الظاهرة أصلًا. حين تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات تعرية وتسقيط وتشهير، فذلك لا يحدث في فراغ، بل في بيئة يغيب عنها الشعور بالعدالة السريعة والشفافية الكافية، ويشعر فيها البعض أن صوته لن يُسمع إلا إذا رفعه عاليًا في فضاء مفتوح لا تحكمه ضوابط واضحة.
لا يمكن إنكار أن الفوضى الرقمية أصبحت خطرًا حقيقيًا، فسمعة الأشخاص قد تُدمر بضغطة زر، والاتهامات تُطلق بلا أدلة، والتشهير يتحول أحيانًا إلى وسيلة للابتزاز أو تصفية الحسابات، وهنا يصبح الحديث عن قانون رادع أمرًا مفهومًا لحماية المجتمع من الانحدار نحو فوضى أخلاقية وقانونية. لكن في المقابل، يكمن القلق في أن يتحول هذا “القانون الرادع” إلى أداة لتكميم الأفواه أو تقييد حرية التعبير، أو حتى ملاحقة من يكشف ملفات فساد موثقة تحت ذريعة منع الفضيحة، وهنا يجب التفريق بوضوح بين التشهير الكاذب وكشف الحقائق، وبين الابتزاز والنقد المشروع.
المعركة الحقيقية ليست ضد الفضيحة بحد ذاتها، بل ضد أسبابها العميقة، فحين تغيب الشفافية، وتتعطل قنوات الشكوى، وتتأخر العدالة، يصبح الفضاء الرقمي ملاذًا بديلًا، حتى وإن كان فوضويًا. وإذا أرادت الدولة معالجة الظاهرة بجدية، فعليها أن توازن بين حماية السمعة وصون الحريات، وأن تصوغ أي قانون بدقة وعدالة تضمن عدم استخدامه كسيف مسلط على النقد المشروع. في زمن “العالم بعيون رقمية”، لا يكفي أن نطالب بالصمت، بل يجب أن نصلح ما يدفع الناس إلى الصراخ، لأن العدالة وحدها قادرة على إخماد نار الفضيحة، أما الخوف وحده فلن يصنع استقرارًا دائمًا.