واع / محنة الحرب الأمريكية–الإيرانية: موت بطيء لشعوب المنطقة أم تعافٍ مشروط ؟/ آراء حرة / بقلم : عباس الفاضل

في منطقةٍ لم تعرف الاستقرار الكامل منذ عقود، تبدو كل مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وكأنها فصل جديد من رواية طويلة عنوانها القلق المزمن فالتوتر بين القوتين لا يُقاس فقط بما يجري في الكواليس السياسية أو على طاولات المفاوضات، بل بما ينعكس على حياة شعوبٍ أصبحت تدفع كلفة الصراع حتى دون أن تكون طرفًا مباشرًا فيه
منذ سنوات، أخذ هذا الصراع أشكالًا متعددة: عقوبات اقتصادية خانقة، حروب بالوكالة توترات أمنية وضربات محدودة هنا وهناك ورغم أن هذه المواجهات لم تتحول إلى حرب شاملة حتى الآن إلا أن تأثيراتها كانت عميقة متراكمة وبطيئة—أشبه بما يمكن وصفه بـ”الموت البطيء” لشعوب المنطقة
الاقتصاد… الضحية الأولى
أول ما يتأثر بأي تصعيد هو الاقتصاد. فالعقوبات المفروضة على إيران لم تبقَ داخل حدودها، بل امتدت آثارها إلى دول الجوار، خاصة تلك المرتبطة معها تجاريًا أو سياسيًا ارتفاع أسعار النفط، اضطراب سلاسل التوريد، وانخفاض قيمة العملات المحلية في بعض الدول، كلها نتائج مباشرة أو غير مباشرة لهذا الصراع
وفي دول مثل العراق، التي تقف في منطقة تماس جيوسياسي يتضاعف التأثير. إذ تجد نفسها بين ضغوط أمريكية من جهة وارتباطات سياسية واقتصادية مع إيران من جهة أخرى ما يجعل قراراتها الاقتصادية رهينة التوازنات لا الأولويات الوطنية.
الأمن… هشاشة مستمرة
أما على المستوى الأمني، فإن استمرار التوتر يعني بقاء المنطقة في حالة “لا حرب ولا سلم”. هجمات متقطعة استهداف قواعد، أو تصعيد إعلامي قد يتحول في أي لحظة إلى مواجهة ميدانية وهذا الواقع يخلق بيئة غير مستقرة تؤثر على الاستثمار، وتزيد من معدلات الهجرة وتُبقي الشعوب في حالة ترقب دائم
الحروب بالوكالة التي تُدار في أكثر من ساحة تجعل المدنيين في الصف الأول من الخسائر. فلا أحد يسأل عن هوية الضحية عندما تنفجر الأزمات بل تُحسب النتائج بالأرقام لا بالأرواح
البعد الاجتماعي… إرهاق الشعوب
الشعوب في هذه المنطقة لم تعد تخشى الحرب بقدر ما تخشى استمرارها بشكل غير مباشر فالتضخم البطالة، ضعف الخدمات وانسداد الأفق السياسي كلها عوامل تتراكم لتخلق حالة من الإحباط العام
جيلٌ كامل نشأ وهو يسمع عن “التوتر” و”التصعيد” و”العقوبات”، دون أن يرى استقرارًا حقيقيًا وهذا الإرهاق النفسي والاجتماعي قد يكون أخطر من أي مواجهة عسكرية لأنه يضعف ثقة الناس بالدولة وبالمستقبل
هل هناك تعافٍ ممكن ؟
رغم هذا المشهد القاتم لا يمكن إغفال أن بعض الأزمات تفتح نوافذ للحلول فالتجارب السابقة أظهرت أن التوتر قد يدفع الأطراف أحيانًا إلى التفاوض وأن الضغوط الاقتصادية قد تخلق حاجة متبادلة للتهدئة
لكن هذا “التعافي”—إن حدث—لن يكون مجانيًا بل سيكون مشروطًا بتنازلات سياسية وترتيبات أمنية وربما إعادة رسم لموازين النفوذ في المنطقة والسؤال هنا هل سيكون هذا التعافي لصالح الشعوب أم مجرد إعادة توزيع للأدوار بين القوى الكبرى ؟
بين الموت البطيء والتعافي المشروط
الواقع يشير إلى أن المنطقة تقف اليوم بين خيارين أحلاهما مُرّ استمرار الاستنزاف البطيء أو الدخول في تسويات قد لا تلبي طموحات الشعوب بالكامل وفي كلا الحالتين تبقى الشعوب هي الحلقة الأضعف تنتظر نتائج صراعات لا تملك قرارها
إن الخروج من هذه المعادلة لا يعتمد فقط على تفاهمات دولية بل يحتاج إلى إرادة داخلية لدى دول المنطقة لتعزيز استقلال قرارها وتنويع اقتصادها وتقليل اعتمادها على محاور الصراع.
خاتمة
الحرب الأمريكية–الإيرانية وإن لم تُعلن رسميًا إلا أنها قائمة بأشكال متعددة وتترك آثارها يومًا بعد يوم وبينما تتصارع القوى على النفوذ يبقى السؤال الحقيقي كم من الوقت تستطيع شعوب المنطقة تحمّل هذا “الموت البطيء”؟ وهل سيكون التعافي القادم—إن جاء—بداية لمرحلة استقرار حقيقي أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع طويل؟
يبقى سؤال محير لمن هو يعيش على صفيح المنطقة الساخن .