واع / التفكير المزدوج أورويل واغتيال الحقيقة/ اراء حرة/ بقلم : الاديبة السورية رنا يوسف عجيب
لم يكتفِ جورج أورويل في روايته الشهيرة 1984 برسم ملامح دولة شمولية تراقب مواطنيها وتتحكم في سلوكهم فحسب بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك فوضح كيف يتم السيطرة على أكثر المناطق خصوصية في الإنسان ( عقله ) ومن بين المفاهيم التي ابتدعها في هذا العالم الكابوسي يبرز مفهوم (التفكير المزدوج) فيعتبره أكثر الأدوات قدرة على تفسير العلاقة المعقدة بين السلطة والحقيقة
التفكير المزدوج هو القدرة على الإيمان بفكرتين متناقضتين في الوقت نفسه وقبولهما معاً دون شعور بالاضطراب أو الحاجة إلى التوفيق بينهما واعتبر أنه ليس جهلاً بالحقيقة بل معرفة بها وإنكار لها في آن واحد ، ففي عالم أورويل لا يكفي أن يطيع الفرد السلطة بل ينبغي أن يعيد تشكيل وعيه بحيث يصبح التناقض نفسه أمراً طبيعياً،
من هنا جاءت شعارات الحزب الحاكم التي تبدو للوهلة الأولى عبثية (الحرب هي السلام)و (الحرية هي العبودية ) و (الجهل هو القوة )
ليست هذه العبارات مجرد مفارقات لغوية بل تمثل جوهر آلية السيطرة إذ يُطلب من المواطن أن يتخلى عن منطقه الخاص ليحل محله منطق السلطة وأن يقبل المستحيل لأنه صادر عن جهة تمتلك حق تعريف الواقع،
كان أورويل يدرك أن الاستبداد الحقيقي لا يبدأ حين تُكمم الأفواه بل حين تُعاد صياغة العقول فالإنسان الذي يفقد قدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف يصبح أقل مقاومة وأكثر استعداداً لتلقي أي سردية تُقدَّم له ولهذا كان الحزب في الرواية يعيد كتابة التاريخ باستمرار فيمحو الوقائع القديمة ويستبدلها بأخرى جديدة ثم يطالب الجميع بالإيمان بالرواية المستحدثة وكأنها كانت الحقيقة منذ البداية
وإذا كانت الرواية قد كُتبت في منتصف القرن العشرين فإن مفهوم التفكير المزدوج يبدو اليوم أكثر راهنية مما كان عليه زمن أورويل ،في عصرنا ومع التدفق الهائل للمعلومات قد لا تُفرض التناقضات بالقوة المباشرة بل تتسلل عبر الخطابات الإعلامية والشعارات السياسية والأحكام المسبقة التي تتكرر حتى تكتسب مظهر الحقيقة ومع كثرة الضجيج يصبح التمييز بين الواقع وتناقضاته مهمة أكثر صعوبة ويغدو الإنسان معرضاً لأن يتبنى مواقف متعارضة دون أن يتوقف لمراجعتها،
إن أهمية مفهوم التفكير المزدوج لا تكمن في كونه تفصيلاً روائياً بل في كونه تحذيراً فلسفياً وثقافياً من هشاشة الوعي الإنساني أمام سلطة الخطاب فالحقيقة لا تُهزم دائماً بالقمع بل قد تُهزم حين يُعاد تعريفها مراراً حتى تفقد معناها،
ولعل الرسالة الأعمق التي تتركها الرواية هي أن الحرية لا تقاس فقط بما يسمح لنا قوله بل ايضا بقدرتنا على رؤية الواقع كماهو والتمسك به مهما اشتدت محاولات تزويره،
لذلك تبقى رواية 1984 أكثر من مجرد عمل أدبي إنها دعوة دائمة إلى اليقظة النقدية والتذكير بأن الحرية تبدأ من القدرة على التفكير المستقل، وأن أخطر أنواع الاستبداد هو ذلك الذي يجعل الإنسان شريكاً في خداع نفسه .


