واع / بين فكي التضخم والانهيار الاجتماعي معضلة السيادة المالية للعراق أمام جدار السيولة الخانق/ آراء حرة/ بقلم: د.مثنى الشمري
تتجه المالية العامة في العراق نحو منطقة شديدة الحرارة والتعقيد إذ لم تعد المعطيات الراهنة تشير إلى مجرد عجز سنوي عابر في بنود الموازنة بل تؤكد اصطدام الدولة بجدار انسداد السيولة النقدية مما يضع القرار الاقتصادي والسياسي في مواجهة خيارات حادة ومصيرية أحلاها مرّ .أن الصدمة الخارجية وعمود الاقتصاد المشلول تكشف المعطيات الميدانية عن استهانة طويلة الأمد بمخاطر (الريع الأحادي) إن انخفاض الصادرات النفطية إلى مستويات تقل عن مليون برميل يومياً مقارنة بالافتراضات الحسابية للموازنة والمقدرة بنحو 3.25 ملايين برميل يوميا يمثل انكماشاً ينذر بالخطر في الموارد المالية للدولة. ولم تقف الأزمة عند حدود تراجع الإنتاج وتذبذبه بل امتدت إلى الشرايين اللوجستية وتأثير التوترات الجيوسياسية والأمنية للمنطقة إذ إن شلل حركة التصدير عبر الموانئ الجنوبية والمنافذ الرئيسية يقطع تدفق الدولار إلى الخزينة العامة . وحتى لو تم تجاوز هذه العقبات اللوجستية غداً فإن استعادة الدورة المالية وتغذية الحسابات الحكومية ستتطلب مدة زمنية لا تقل عن شهرين مما يعني وجود (فجوة زمنية خطرة) بين استحقاق الرواتب الشهرية وتوافر السيولة النقدية. كما أن فخ طباعة العملة واستنزاف الاحتياطي أمام التزام حكومي حتمي بتأمين رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين والمستفيدين من الرعاية الاجتماعية تطفو على السطح مقترحات الملاذ الأخير، وأبرزها الاستعانة بباخرة طباعة العملة الوطنية أو السحب المباشر من الاحتياطي النقدي للبنك المركزي العراقي . ولئن بدت عملية طباعة الدينار حلولاً (آمنة) من منظور إطفاء الغضب الشعبي وتفادي الانهيار المؤسسي الوشيك إلا أنها من الناحية النقدية ليست سوى تأجيل مؤقت للأزمة مقابل مضاعفة حجمها لاحقاً. إن التمويل بالعجز المباشر ودفع كتلة نقدية محلية دون غطاء من النقد الأجنبي أو الإنتاج الفعلي سيفجر موجات تضخمية عاتية تُفقد الدينار قدرته الشرائية، ليكون الموظف قد استلم رواتبه بالأرقام فقط ولكنه فقد قيمتها الفعلية في السوق . من ناحية أخرى يدرك البنك المركزي أن استنزاف الاحتياطي الأجنبي لغرض الاستهلاك التشغيلي والرواتب يُعرّض غطاء العملة الوطنية للدفاع عن سعر الصرف للانهيار وهو ما يفسر تحفظ البنك واشتراطه وجود خطورة وجودية على الدولة قبل اللجوء لمثل هذه الخطوات المستقطعة من رصيد الأجيال . وحيث أن حدود الحلول البديلة واستنفاد الخيارات أظهرت الأزمة الراهنة أن الخيارات الأخرى المروَّج لها لا تملك القوة المالية السريعة لمواجهة متطلبات السيولة لـ 90 يوماً مقبلة قد تذهب الحكومة لهذه الخيارات 1
الاقتراض الخارجي والقروض الدولية: تظل مقيدة بشروط مؤسساتية إذ إن قروض صندوق النقد والبنك الدولي مخصصة لمشاريع التنمية والاستثمار ولا يمكن قانوناً أو فنياً تحويلها لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب . ٢استرداد الأموال المنهوبة وتفعيل الضرائب: الاسترداد يخضع لتعقيدات قضائية ودولية تطول سنوات بينما رفع الضرائب في ظل انكماش يمس القوة الشرائية للمواطنين سيزيد من الأحتقان الاجتماعي .
٣_بيع عقارات الدولة وتنويع الموارد: خطوات تحاج إلى بيئة إدارية وهيكلية تستغرق وقتاً طويلاً لتوليد إيرادات ملموسة ولا يمكنها تقديم معالجة عاجلة لأزمة سيولة تضغط خلال أسابيع معدودة .
أن خريطة الطريق نحو النجاة المالية لتفادي الوصول إلى نقطة العجز الشامل ينبغي اتخاذ خطوات متدرجة ومحسوبة تقسم بين إدارة طوارئ السيولة وإعادة الهيكلة
الخطوة الاولى :إدارة سيولة الطوارئ (الأمد القريب جداً)إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي بوقف جميع النفقات الاستثمارية غير الحيوية والمصاريف التشغيلية للوزارات وإعادة توجيه السيولة المتاحة لترميم بند الرواتب.
الخطوة الثانية :إصدار سندات دين حكومية محددة الأجل (حوالات خزينة) موجهة للمصارف الوطنية بآليات تشجيعية لاستقطاب السيولة الركودة دون اللجوء المباشر للطبع النقدي المعرى.
الخطوة الثالثة:معالجة الاختناق اللوجستي وتأمين التصدير (الأمد المتوسط): توفير الحماية الأمنية والفنية الكاملة لخطوط البدائل وتأمين منافذ التصدير لضمان استقرار تدفق الإيرادات النفطية وتقليل الانقطاعات.
الخطوة الرابعة :إعادة هيكلة الاقتصاد والقطاع العام (الأمد الاستراتيجي): العمل على تنشيط القطاع الخاص الحقيقي عبر تخفيف القيود الإدارية للحد من الضغط الهائل على التوظيف الحكومي الذي يرهق الخزينة بدفع فاتورة أجور متضخمة سنوياً.
إن العراق يقف اليوم في مفصل تاريخي حرج فالمسكنات المالية والحلول الترقيعية كطباعة العملة قد تشتري وقتاً قصيراً لتهدئة الشارع لكنها تحمل في طياتها بذور كوارث اقتصادية أعمق. وتقتضي المسؤولية الوطنية تغليب الحكمة النقدية وتقديم معالجات جادة عن طريق خبراء اقتصاديون حقيقيون من أجل أن تستهدف أصل الخلل الهيكلي بدلاً من الاكتفاء بمعالجة أعراضه الظاهرة.


