واع / ليلة السفر… حين يصبح كل شيء غالي / آراء حرة/ بقلم: عتاب بغدادي
ثمة ليلة تسبق السفر، يتغير فيها معنى الأشياء كلها.
في الليلة الأخيرة، تصبح الجلسة في شرفة البيت أكثر دفئًا، ووجبة الأهل في المطبخ أكثر قيمة، ورائحة المكان أكثر حضورًا. حتى التفاصيل التي كنا نمرّ عليها كل يوم دون انتباه، نشعر فجأة أننا نريد أن نحفظها جيدًا، وكأن القلب يعرف أنه سيشتاق إليها.
وأنت ترتب حقيبتك، لا ترتب ملابسك فقط… بل ترتب أيامًا كاملة من الغياب. كل قطعة تضعها تشعرك بثقل الرحيل، وكل مرة تنظر فيها إلى البيت تشعر أنك تودّع جزءًا منه قبل أن تغادر.
في تلك الليلة، يسهر الأهل معك أكثر من المعتاد. يتحدثون ويضحكون، وربما يتجنبون الحديث عن السفر، لأن الجميع يعرف أنها ليلة أخيرة، ولأن الاعتراف بذلك يجعل الرحيل أقرب.
ثم يأتي الوداع.
ذلك الحضن الأخير الذي يطول على غير عادته، وكأن أحدًا يحاول أن يؤجل لحظة الفراق بذراعيه.
وتأتي الجملة التي تبدو بسيطة، لكنها قادرة على أن تعصر القلب:
«دير بالك على نفسك.»
وعندما تصعد إلى الطائرة، وتنظر من خلف النافذة إلى الأرض وهي تبتعد، تشعر أن المسافة لا تكبر بينك وبين المكان فقط، بل بينك وبين الذين تركتهم خلفك.
لكن للسفر وجهًا آخر… أكثر قسوة.
حين يحين موعد العودة، يصبح الوقت عدوًا للانتظار. تمر الأيام سريعًا، وتنزل إلى الأسواق تشتري الهدايا، وتملأ حقيبتك بكل ما اخترته بحب، وأنت لا تكاد تصدق أنك بعد ساعات ستصل.
تدخل المطار والفرح يسبقك، وتتخيل وجوههم وأصواتهم وأحضانهم. تظن أنك ستفتح باب البيت، فتجد كل شيء في مكانه… كما تركته.
لكن أحيانًا، لا يكون البيت هو نفسه الذي غادرته.
تعود محملًا بالهدايا، محملًا بالفرح، ثم تكتشف أن هناك وجهًا كان ينتظرك ولم يعد موجودًا.
كرسي فارغ.
غرفة صامتة.
ثوب ما زال معلقًا في مكانه.
أشياء صغيرة تركها صاحبها، ولم يأخذها معه لأنه لم يعرف أنه سيرحل إلى الأبد.
وأحيانًا لا يكون الغائب قد مات، بل تزوج أحدهم وانتقل إلى بيت آخر، أو كبر الأبناء وتغيرت ملامحهم، أو تبدلت الحياة بطريقة لم تنتبه إليها لأنك كنت بعيدًا.
وقد تجد أن كثرة المصائب والهموم قد أخذت من الذين تحبهم شيئًا من لهفتهم القديمة.
ليس لأنهم لم يعودوا يحبونك…
بل لأن الحياة أتعبتهم.
تعود أنت محملًا بالهدايا، بينما هم محملون بما لا تستطيع حقيبتك أن تحمله: سنوات من التعب، والخوف، والفقد، والانتظار.
وهنا تفهم الحقيقة المؤلمة:
الغربة لا تأكل منا المسافة فقط… إنها تأكل من أعمارنا.
تأكل من أجسادنا، من ملامحنا، من صورنا القديمة، ومن تفاصيل البيوت التي نظن أنها تنتظرنا كما تركناها.
نعود فنجد أن أشياء كثيرة بقيت في أماكنها، لكن أصحابها تغيروا.
وقد يكون أقسى ما في الغربة أنك لا تفقد أشخاصًا فقط… بل تفقد نسخًا منهم.
الأم التي كانت تنتظرك عند الباب قد يتعبها العمر.
الأب الذي كان يملأ البيت بصوته قد يصبح صمته أطول.
الأبناء الذين تركتهم صغارًا قد يعودون إليك كبارًا، وقد تمر أمامك سنواتهم دون أن تراها.
والبيت نفسه يتغير.
المطبخ الذي كان يعج بالأصوات، يصبح أكثر هدوءًا.
الشرفة التي كانت تجمعكم، تصبح مجرد مكان تتأمل منه غياب الذين كانوا يجلسون معك.
ثم تنزل من الطائرة، وتستنشق هواء بلادك، وتبحث بعينيك عن الوجوه التي اشتقت إليها…
فتكتشف أن العودة ليست دائمًا عودة إلى المكان الذي غادرته.
أحيانًا نعود إلى الوطن، لكننا لا نعود إلى الزمن نفسه.
وهذه هي الخسارة التي لا تتحدث عنها تذاكر السفر:
أن الغربة قد تعيدك إلى أهلك، لكنها لا تستطيع أن تعيد إليك السنوات التي مرت من دونهم.
لذلك، لا تؤجلوا الأحضان.
لا تؤجلوا الزيارات.
لا تقولوا: «عندما أعود سأفعل.»
فبعض الأشياء لا تنتظر عودتنا.
وبعض الوجوه التي نغادرها ونحن نلوّح لها من خلف بوابة المطار، قد لا تكون هناك في المرة القادمة.
الغربة ليست أن تكون بعيدًا عن الوطن فقط…
الغربة الحقيقية أن تعود إليه يومًا، فتشعر أنك وصلت إلى المكان نفسه، لكن إلى حياة لم تعد تعرفها.


