واع / الفنان الكبير حافظ العيبي .. مدرسة فنية تتجدد ولا تتكرر / آراء حرة/ بقلم: فيصل العبيدي

هناك فنانون يمرون في المشهد الفني ثم يغادرون تاركين خلفهم أعمالاً يتذكرها الجمهور وهناك فنانون يتحول حضورهم مع مرور السنوات إلى جزء من ذاكرة المشاهد نفسه
والفنان الكبير حافظ لعيبي ينتمي إلى الفئة الثانية
فمسيرته لم تكن مجرد رحلة بين مسلسل وآخر أو شخصية وأخرى بل كانت امتداداً لتجربة فنان عرف مبكراً أن التمثيل ليس حفظاً للنص ولا وقوفاً أمام الكاميرا وإنما قدرة على الدخول إلى تفاصيل الإنسان وفهم مشاعره وتحويلها إلى صورة صادقة تصل إلى الجمهور
منذ بداياته الأولى على خشبة المسرح وهو في الصف الخامس الابتدائي بدأت ملامح هذه العلاقة مع الفن تتشكل لديه قبل أن ينتقل لاحقاً إلى دراسة الفنون والعمل في المسرح والتلفزيون وتقديم الشخصيات المختلفة
ما يميز حافظ لعيبي أن حضوره لم يرتبط بنمط واحد من الشخصيات
فهو يستطيع أن يكون قريباً من الناس في الشخصية الكوميدية وأن ينتقل في عمل آخر إلى مساحة أكثر جدية ثم يقدم شخصية تحمل جانباً سلبياً أو قاسياً دون أن يفقد قدرته على إقناع المشاهد
وهذا التنوع ظهر بوضوح في أعماله الحديثة
ففي مسلسل بيت الطين قدم شخصية عليوي ذات الطابع الريفي الكوميدي بينما ظهر في مالك بشخصية رضوان وهي شخصية شريرة ومختلفة عن كثير من الشخصيات التي قدمها خلال مسيرته كما قدم في الجنة شخصية مختلفة ضمن أجواء الرعب والخيال
وهنا تكمن قيمة الفنان الحقيقي
أن لا يصبح أسيراً للشخصية التي أحبها الجمهور
بل أن يمتلك الشجاعة الفنية للخروج منها
فنجاح الشخصية لا يعني تكرارها وإنما يعني أن يستطيع الفنان أن يبدأ من جديد في كل مرة يدخل فيها إلى عمل جديد
ولهذا بقي اسم الفنان الكبير حافظ لعيبي حاضراً في الدراما العراقية عبر سنوات طويلة
فالجيل الذي عرفه في أعماله القديمة يجد اليوم أمامه فناناً قادراً على مواصلة الحضور بينما يكتشفه جيل جديد من خلال أعمال حديثة مثل بيت الطين والچنة ومالك والعمة وخسوف وغيرها من الأعمال المدرجة في مسيرته الحديثة
واللافت في تجربته أن بعض الشخصيات التي قدمها لم تتوقف عند حدود الحلقة أو المشهد بل تحولت إلى حالة يتداولها الجمهور
وشخصية عليوي مثال واضح على ذلك إذ ارتبطت بشخصية الإنسان العراقي البسيط وبالبيئة العراقية وهو ما تحدث عنه لعيبي نفسه عند حديثه عن نجاح بيت الطين وتأثيره في الجمهور
إن الحديث عن الفنان الكبير حافظ لعيبي لا ينبغي أن يكون حديثاً عن عدد الأعمال فقط
فالرقم وحده لا يصنع تاريخاً فنياً
التاريخ الحقيقي يصنعه الأثر
والأثر هو أن يترك الفنان شيئاً في ذاكرة الناس
ضحكة في مشهد
جملة تبقى في الذاكرة
شخصية يتذكرها المشاهد بعد سنوات
أو إحساساً جعله يتفاعل مع الحكاية وكأنه جزء منها
وهذه هي المساحة التي استطاع حافظ لعيبي أن يحجزها لنفسه
فهو فنان لم يتعامل مع التمثيل باعتباره وظيفة مؤقتة بل جعله رحلة طويلة من البحث عن الشخصية والاختلاف والتجدد
واليوم وبعد عقود من العمل يبقى الفنان الكبير حافظ لعيبي واحداً من الأسماء التي تمثل امتداداً مهماً في مسيرة الدراما العراقية
ليس لأنه ظهر في أعمال كثيرة فحسب
بل لأنه استطاع أن يجعل لكل مرحلة من مراحل حضوره ملامحها الخاصة
وهذا ربما هو سر بقاء الفنان الحقيقي
أن يتغير مع الزمن دون أن يفقد هويته
وأن يدخل كل شخصية جديدة دون أن يكرر نفسه
وأن يبقى الجمهور قادراً على رؤية الفنان في الشخصية دون أن يشعر بأنه يشاهد الشخصية السابقة
الفنان الكبير حافظ لعيبي ليس مجرد اسم في قائمة الفنانين العراقيين
إنه تجربة فنية امتدت من خشبة المسرح إلى شاشة التلفزيون
ومن الشخصيات الكوميدية إلى الأدوار الجادة
ومن البدايات الأولى إلى الحضور المتجدد
ولهذا فإن الحديث عن تجربته هو حديث عن فنان اختار أن يجعل من الفن مساحة للحياة ومن الشخصية جسراً بينه وبين الجمهور
ويبقى الإبداع الحقيقي هو أن تستطيع بعد سنوات طويلة أن تظهر أمام الكاميرا وكأنك تقدم نفسك للمرة الأولى
وهنا تحديداً تكمن قيمة الفنان الكبير حافظ لعيبي