واع / حسين العوادي حين تتحول المسؤولية إلى فعل يومي / آراء حرة/ بقلم: مصطفى كامل الرحابي

في مؤسسات الدولة لا تقاس قيمة المسؤول بحجم المنصب الذي يشغله فقط وإنما بما يتركه من أثر في تفاصيل العمل اليومي وبقدرته على تحويل المسؤولية من عنوان إداري إلى حضور حقيقي يشعر به الموظف والمنتسب والمواطن
ومن هذا الباب يمكن قراءة تجربة الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية الدكتور حسين العوادي الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بجملة من الملفات الإدارية والإنسانية والخدمية داخل الوزارة وصولا إلى مرحلة أصبح فيها حضوره مرتبطا بمتابعة التفاصيل وليس الاكتفاء بإدارة الملفات من المكاتب
العوادي الذي يتولى موقع الوكيل الأقدم في وزارة الداخلية ظهر خلال الفترة الأخيرة في عدد من الملفات التي تمس حياة منتسبي الوزارة بصورة مباشرة ومن أبرزها ملف الحقوق الوظيفية والترقيات والعلاوات وتصحيح الأسماء ومتابعة معاملات المنتسبين وهي ملفات قد تبدو إدارية في ظاهرها لكنها تمثل بالنسبة لآلاف العاملين حقوقا ترتبط بمسيرتهم الوظيفية وحياتهم اليومية
إن الاهتمام بهذه الملفات يعكس فهما مختلفا لمعنى الإدارة فالمؤسسة القوية لا تبنى فقط بالقرارات الكبيرة وإنما أيضا بقدرتها على معالجة التفاصيل التي تمس منتسبيها
فالمنتسب الذي يؤدي واجبه في ظروف صعبة يحتاج إلى أن يشعر بأن المؤسسة التي ينتمي إليها تتابع حقوقه وتحترم خدمته وتتعامل مع مشكلاته بجدية
ومن الجوانب التي برزت في تجربة العوادي أيضا الاهتمام بملف الشكاوى والطلبات ومتابعة معاملات المنتسبين والعمل على إيجاد حلول للمشكلات التي تواجههم
وهذه التفاصيل قد لا تصنع خبرا كبيرا في كل مرة لكنها تصنع شيئا أكثر أهمية على المدى البعيد وهو بناء ثقافة إدارية تقوم على الاستماع والمعالجة والمتابعة
أما الجانب الإنساني فقد كان حاضرا بصورة واضحة في نشاط العوادي
فقد كان للجرحى وذوي الشهداء والمنتسبين الذين تعرضوا للإصابات خلال أداء الواجب مساحة واضحة في اهتماماته وهو أمر يحمل دلالة مهمة داخل مؤسسة أمنية يقوم منتسبوها بواجبات تتطلب التضحية والانضباط وتحمل المخاطر
فالمنتسب الذي يقف في الميدان لا يحتاج فقط إلى التعليمات والأوامر وإنما يحتاج أيضا إلى أن يعرف أن المؤسسة التي يخدم فيها لن تنساه عندما تنتهي المهمة أو عندما يتعرض للإصابة
ومن هنا فإن القيادة الحقيقية تظهر في لحظات المسؤولية أكثر مما تظهر في المناسبات الرسمية
وتبرز أهمية العوادي كذلك في حضوره الميداني ومتابعته لعمل تشكيلات وزارة الداخلية في المحافظات والمفاصل المختلفة
فالعمل الأمني لا يمكن أن يدار بالكامل من خلف المكاتب والتقارير مهما كانت دقيقة
الميدان يعطي صورة مختلفة
ومن يقترب من الميدان يستطيع أن يرى ما لا يظهر دائما في الأوراق الرسمية وأن يسمع مباشرة من القيادات والمنتسبين وأن يكتشف مواطن الخلل ويعمل على معالجتها قبل أن تتحول إلى مشكلة أكبر
وفي مؤسسة بحجم وزارة الداخلية تصبح هذه المتابعة ضرورة وليست خيارا
فالوزارة تضم تشكيلات واسعة وملفات متعددة ومسؤوليات كبيرة تبدأ من الأمن ولا تنتهي عند الجوانب الإدارية والخدمية
وهنا تظهر أهمية وجود قيادة قادرة على الربط بين مختلف هذه الملفات والتعامل معها باعتبارها أجزاء من مؤسسة واحدة
إن تجربة حسين العوادي يمكن قراءتها أيضا من زاوية أخرى وهي محاولة الجمع بين الإدارة والإنسان
إدارة الملفات من جهة
والاقتراب من أصحابها من جهة أخرى
متابعة حقوق المنتسبين
الاهتمام بالجرحى وذوي الشهداء
الاستماع إلى الشكاوى
متابعة العمل ميدانيا
والمشاركة في رسم القرارات التي تخص عمل الوزارة
هذه ليست ملفات منفصلة وإنما هي أجزاء من مفهوم واحد هو أن المسؤولية ليست امتيازا وظيفيا وإنما واجب مستمر
ولهذا فإن الحديث عن العوادي لا ينبغي أن يتوقف عند منصبه الحالي أو عند قرار إداري صدر هنا أو هناك وإنما عند الأسلوب الذي يحاول من خلاله إدارة المسؤولية
وفي المؤسسات الأمنية تحديدا تكون القيادة الحقيقية مرتبطة بالقدرة على تحقيق التوازن بين الانضباط والعدالة وبين مقتضيات الواجب والجانب الإنساني وبين القرار الإداري ومتطلبات الميدان
وقد يكون هذا هو الاختبار الأصعب لأي قائد إداري
أن يحافظ على هيبة المؤسسة من دون أن يغيب الإنسان
وأن يطبق القانون من دون أن تتحول الإجراءات إلى جدار يفصل المسؤول عن أصحاب الحاجة
وأن يدير آلاف الملفات من دون أن يفقد القدرة على رؤية تفاصيل كل ملف وأثره على صاحبه
هذه المساحة تحديدا هي التي تجعل تجربة حسين العوادي جديرة بالقراءة والمتابعة
فالقيادة لا تثبتها الكلمات وحدها ولا تقاس بعدد الاجتماعات وإنما بما تتركه من أثر في المؤسسة وفي العاملين فيها
وفي النهاية قد تتغير المواقع والمسميات لكن ما يبقى هو الأثر
والأثر الذي يتركه المسؤول في نفوس منتسبيه وفي أداء مؤسسته هو أحد أهم المعايير التي يمكن من خلالها قراءة تجربته بعيدا عن الشعارات والمبالغة
حسين العوادي أمام مرحلة تتطلب إدارة هادئة وحضورا ميدانيا وقرارات قادرة على تحويل الملفات المتراكمة إلى نتائج ملموسة
وتلك هي المساحة التي سيبقى فيها الحكم الحقيقي على أي قيادة
ماذا فعلت عندما أصبحت المسوولية بين يديها.