واع / أربيل العامرة بالحياة تجذب التنوّع والاستثمار والباحثين عن الاستقرار

واع / متابعة

على مساحة تمتد لعشرات الكيلومترات وسط مدينة أربيل، عاصمة إقليم كُردستان – العراق، تتوزع المئات من المطاعم والمقاهي والنوادي والملاهي الليلية، الصاخبة والمزدحمة بآلاف الشُبان والشابات من الطبقات المدنية اجتماعياً والميسورة اقتصادياً من أبناء إقليم كردستان، إلى جانب آلاف آخرين من مُختلف بُلدان المنطقة. ففي وسط مدينة أربيل، يُمكن مُلاقاة السوريين واللبنانيين والأتراك والعراقيين والإيرانيين والمصريين والخليجيين على حد سواء، من دون أية عوائق أو فروق واضحة في المظهر والخيارات، من المستثمرين واللاجئين السياسيين والباحثين عن الاستقرار والحريات العامة، إلى أصحاب المبادرات والعاملين في المنظمات المدنية، الإقليمية والدولية.

 وسط مدينة أربيل، المُمتد من منطقة عنكاوا (عين كاوا) ذات الأغلبية المسيحية وحتى الأوتوستراد الرئيسي الذي يسير جنوباً نحو مدينة الموصل، نهض عمرانياً خلال الأعوام القليلة الأخيرة، وغدا مُتخماً بمئات الأبنية الشاهقة التي جذبت شركات اقتصادية ومؤسسات خدمية إقليمية وعالمية المنشأ.

 وترافق ذلك مع دخول لرؤوس الأموال الاستثمارية إلى المدينة، وبالذات من طبقة رجال الأعمال العراقيين والأكراد، في وقت كان العديد من الدول والمناطق المحيطة تشهد أشكالاً من الانهيار السياسي والاقتصادي، ما جذب آلافاً من الشُبان هؤلاء، الذين صارت هذه المقاهي والمطاعم والنوادي استجابة لحاجاتهم الاجتماعية وسلوكياتهم اليومية.

 ضمن هذا المربع المعيشي الكبير، الذي يشبه مراكز المُدن العالمية العامرة، يُمكن إيجاد المطاعم والمقاهي والنوادي التي تُلبي مُختلف النزعات الاجتماعية والثقافية، من أكثرها محافظة إلى أقصاها تحرراً. إلى جانب ذلك، ثمة مستوى عالٍ من الشعور بالأمان، فالأجهزة الأمنية والجنائية لا تتدخل مطلقاً في الحريات الشخصية لآلاف الشُبان، ما خلا بعض الخطوط العامة للغاية، مثل معاقبة أحد المقاهي قبل أيام عدة لأنه عرض نشيداً يُمجد النظام العراقي السابق. وتسمح لهم قوانين إقليم كُردستان العراق بتنظيم اللقاءات العامة والاجتماعات الموسعة والمناسبات الخاصة من دون تدخل أبداً.

 نشوان هو شاب سوري قَدم إلى المدينة قبل قُرابة أربعة أعوام، عمل لعامين في أحد المطاعم كُمدير للصالة الرئيسية، تعرف خلالها إلى رجل أعمال أردني كان يرتاد مكان عمله، وما لبثا أن استثمرا مكاناً قريباً من عمله الأول، وهو يملك حالياً نصف عائدات المطعم الذي يُديره.

 يُضيف نشوان: “حتى في أقسى الظروف أثناء أشهر الإغلاق المُحكم مع بداية وباء كورونا، لم تشهد هذه المطاعم والنوادي كساداً اقتصادياً، فقد ظلت الطلبات متوافرة للغاية. فكامل المنطقة التجارية والخدمية وسط مدينة أربيل لا تسكنها عائلات تقليدية يُمكن أن تكتفي بما تطبخه منزلياً، كذلك ليس من شبكة خدمات توفر المواد الغذائية اليومية للراغبين بها، ولأجل ذلك تحصل كثافة في طلب خدمات المطاعم والمقاهي والنوادي”.

 مقارنة بالعديد من دول المنطقة، فإن الخدمات المُقدمة في هذه المنطقة أرخص سعراً في شكل نسبي، للمنافسة العالية بين المئات منها، ولرخص الأيدي العاملة، إلى جانب التسهيلات الكبيرة التي تُقدمها حكومة إقليم كُردستان العراق، فتقريباً ليس ثمة ضرائب عامة، سواء على مالكي هذه الصالات، أو كضريبة استهلاكية على المُرتادين.

 الباحثة الاجتماعية مايا حسن شرحت أسباب هذه الظاهرة الحديثة في مدينة أربيل، وقالت لـ(وكالة انباء الاعلام العراقي /واع) إن أربيل “كانت على الدوام واحدة من أكثر المُدن الكُردية محافظة، مُغلقة على قلعتها التاريخية وقائمة على الأعراف التي كانت تنشرها العائلات التقليدية الحاكمة للمدينة اجتماعياً ورمزياً. لكن التنمية الاقتصادية التي حدثت منذ عام 2007، ودخول مئات الآلاف من أبناء المدينة إلى مؤسسات التعليم الحديثة، إلى جانب قدوم الطبقات العراقية الأكثر مدنية خلال سنوات الحرب الأهلية في باقي مناطق العراق، والاستقرار المديد الذي عاشته المدينة، بعكس باقي مناطق الإقليم، كُل ذلك غيّر تماماً من شروط العيش وسلوكيات الحياة اليومية بالنسبة إلى سُكان المدينة. فحتى أكثر طبقات المدينة تقليدية ومحافظة صارت تُسلم وتؤمن بأهمية التجاور والاختلاف ضمن المدينة الواحدة”.