واع / فقدتُ أبي على قيد الحياة
واع / بقلم: نور الهدى علي راضي
أقسى شعور تمر به أن تزدحم في رأسك الأفكار وتعجز عن ترجمتها فتلوذ بالصمت ثم لا تجد مفرًا منه يحدث أن تحمل ثقل هذا العالم بأسره وغير قادر على تحمل فكرة قد تخلت عنك عائلتك قد نسوك في إحدى محطات هذا العالم ولم يفكروا في العودة للبحث عنك شعور مثقل بالألم يضيقُ بكَ المكان اختناقًا ثم تعودِ لصمتك متجاهلاً شعورك تسمع ولا تسمع ترى ولا تريدُ أن ترى ذلك هو أبشع شيء حدث ،يتجاوز صبرك حدود اللامعقول أنفاسك تُختطف الكثير منا يفقد آباءهم لكنني فقدتُ أبي على قيد الحياة
لاطالما ضحكتُ بصوت عالٍ كي أخفي بكاء روحي وارتديت قناع الفرح لأخفي ملامح حزني ،أبحثُ في ثنايا فؤادي عن طفولتي في أحضانه ثم أعود أدراجي بخيبةٍ واضعاً رأسي في حجر جدي لأمي متناسياً كلَّ شيء وتارةً أمسكُ بيد جدتي وأتناغمُ معها ،وأخرى أغفو في حضنِ أمي التي لم تتركني لحظة واحدة ، والتي لازالت تجاهد لتراني بأفضل حالٍ ، كم ألمٍ كابدتهُ من أجلِ إسعادي أحلامي المشوهة ،ضحكاتي المغلولة غربتي بين الأطفال هل جربت شعور أن ترى والدك في منتصف الطريق ثم يمر بك دون أن تعرفه ويعرفك ؟
هل جربتَ أن تُسأل عن والدك يومياً هل جاء لرؤيتك ؟
أُغيب ملامحي التي تغزوها الحيرة وأديرُ بعيني وأصمُ أسماعي عما يدور حولي بئس ذلك الشعور.
كنتُ أبلغ من العمر سبعة أعوام أنفصل والداي قبل ست سنوات ونصف عشتُ طفولتي في بيت جدي لأمي منذ أن كان عمري ستون يوماً وبدأتُ أكبرُ يوماً بعد يوم في كنفِ جدي الذي أسميه (أبي) أنه نعم الأب يحنو عليّ كثيراً ويعوضني عن حنان والدي الذي افتقدته على قيد حياته
وتمر الأيام ويكبر عمري شيئاً فشيئاً وتكثرُ أسئلتي وأنا لا أعلم من هو والدي كنتُ معتقداً أن جدي هو والدي وجدتي هي والدتي ،وأخوالي وخالاتي ماهم إلا أخواني تلقيتُ عناية وحنان من لدنهم مالم تُعطيني أياه عائلة أبي أصبحتُ في سن الخامسة ربيعاً ذات يوم حدثتني والدتي أن لكلِّ شخص عائلتين لدي أبٌ يرعاني هنا وأخر مسافراً في بادىء الأمر كنتُ متيقناً بما تقوله والداتي كل مرة أسأل عن عائلتي الأخرى تقول لي أنهم مسافرين ويطول سفرهم وتكثر أسئلتي وتزاداد حيرتي في الجواب تارةً أسأل لما لم يأخذوني معهم ،وتارةً هل لدي أخوة
وأُخرى أريد أن أنام بين أحضان أبي وأمي ف كل الأطفال ترقد بسلام بين أحضان والديهم ترهقني الأجابات المتشابهة في كل يومٍ، بدأتُ أشكُ في صحة كلام أمي
أشعر بأنها تكذب عليّ لم أتعرف على والدي في الحقيقة فقط كانت أمي تجعلني أطلع على بعض الصور
أنظر هذه صورة أبيك وهو يحبك كثيراً ،أنظر لتلك الصورة هذا جدك وهؤلاءِ هم أعمامك نتشارك الضحكات قليلاً ثم أعود لأسئلتي لماذا لا يأتون إذا كانوا يحبونني
مرتُ خمس سنوات ولم يعودوا من السفر ،مجدداً في سن الخامسة والنصف طلب جدي أن يحضروا لإكمال جواز السفر كانتْ المرة الأولى التي التقي بهم بعد سنوات مرت ،كان اللقاء باهتاً تماماً غير متلهفين لرؤيتي لا فرح يشوب وجوههم سلم علي جدي لأبي يحادثني ويسألني أما أبي الذي كنتُ أبحث عنه في مخيلتي وأطارد صوره في ذاكرتي كان غير مكترثٍ لرؤيتي جلس في أخر القاعة ،نظرتُ إليه ببراءةٍ كأي طفل قد التقى ب أبيه بعد طول غياب أجواء مشوشة لم يحتضني ولم يتحدث اليّ لا مشهد لي اتذكره في صفحات أيامي سوى ذلك الموقف حين طلب منه جدي أن يشتري لي بعض الحلوى كنتُ فرحاً جداً أمسك بتلك الحلويات بقوة بكلَّ حبّ ،بعد أن انتهينا من إكمال جواز السفر غادر بدون توديعي كأنني كغبارٍ لا قيمة له ،لم أره بعد ذلك مجدداً تمر الأيام بي والتقى به في منتصف الطريق يتغافلُ عن رؤيتي وتندلس عيونه تحت قبعته السوداء التقينا كالغرباء لم أتعرفُ إليه في بادىء الأمر إلا أن هناك قوة خفية أوقفتني في منتصف ذلك الطريق فبتُ أنظر إلى ذلك الشخص الذي مر بجانبي بقيتُ واقفاً إلى أن أختفى ثم عدتُ مع أمي إلى المنزل صورته لا تفارق مخيلتي وأسئلتي لم أجدْ لها جواباً ،يوماً بعد يوم تكثر أسئلة من حولي :
ألم يأتِ والدك لكي يزورك ويراك ؟ أنهم قُساة القلب كيف لهم أن يطيقوا عدم رؤية أبنهم طوال هذهِ السنين ، يالكَ من مسكين أنت مظلوم وأنت …
تترقرقُ في عيني الدموع ،أرخي عيوني باحثاً عن سبب واضح لعدم مجيء والدي لرؤيتي ،أجُرُّ مشاعري بتعب الراحل دوماً نحو مرافيء الأُمنيات المؤجلة وكم أشتهي أن أمحو كل الصور ولا أبقي منهم أحداً كنتُ أتاملُ على رصيف الإنتظار أن أرى أحداً من عائلتي فيحيبني صدى الأيام المتآكل ،لاتحاول البحث عن تلكَ الأمنية يا لمرارة النفس والقلب
أين ضمير والدي الذي غاب عني ؟ أين جدي الذي يزعم أنه يحبني ؟
كلما سمعتُ أطفالاً يتحدثون عن والدهم بفرحٍ أحني رأسي واتقوقع خلفهم خشية أن يسألني أحدهم أين والدك فتكون عيوني قد أفصحتْ عمَ مافي داخلي وكأنما تكونت روحي في عالمٍ أصم .
كتبت كلماتي برائحة الماضي طفولتي ،ذكرياتي ،بكائي هناك أكثرَ من وجع ، يقفُ الكلام بين شفتي إن أظهرته ندمت وإن أبقيته تألمت. لم أتحسس ملمس طفولتي جانب من حياتي مفقود وهو الظلمة القاسية لايستطيع النور أن ينفذ إليها لست أول طفلاً فقد أباه وهو حي عذراً إليكَ أبي أعرفُ جيداً أن كلماتي ستغضبك. ليس كل شيء في القلب يقال لذلك خلق الله الدموع ورجفة البدن أنا حائراً متعباً أريد أن أعرفُ ما سر هذه القسوة لديك ليس من النبل يا أبي تتركني وحيداً تسرق فرحتي وتقتل أحلامي أنت مسؤول عن كل دمعة وتنهيدة وخيبة أملٍ
، ولم أجد جواباً مقنعاً ، أو عذراً تعتذر به ، كنت أتمنى أن تملأ جيوبي بالحلوى و أُسند راسي المثقل إلى قلبك ، جانبي المظلم هو أنتَ أخشى عليك يا أبي أن يقتلع عيناك الزمن وتبقى في ظلام الوحدة، يتشضى عقلك من التفكير ثم تعود لتبحث عن شي يذكرك بي فلا تجد إلا هوامش افكاراً تبعثرت .

