واع / السيد السيستاني… مرجعية العدل وسدّ الدم/ اراء حرة / بقلم:عتاب بغدادي

في تاريخ العراق المثقل بالصراعات والانقسامات، برزت شخصيات استثنائية حملت همّ الوطن، لا الطائفة، وصوّتت للضمير قبل كل اعتبار. ومن بين هذه الشخصيات، يبقى سماحة السيد علي السيستاني رمزًا نادرًا في الحكمة والاعتدال، ورجلاً وقف على مسافة واحدة من الجميع، رغم زلازل السياسة ومكر الطامعين.

السيستاني لم يكن يومًا صوتًا صارخًا في عالم المزايدات، بل كان صمتُه أبلغ من خطب كثيرة. رجل عاش في ظل الحوزة العلمية في النجف الأشرف، لكنه لم يسجن نفسه خلف جدرانها. بل كان حارسًا لوحدة العراق، يخرج في اللحظة الحرجة، يقول الكلمة التي تُنقذ دماءً، لا تراق.

حين كان الوطن يُدفع نحو الفتنة الطائفية، كان السيستاني يقول: “لا تقولوا إخواننا السنّة، بل قولوا أنفسنا.” هذه الجملة وحدها كانت كفيلة بإجهاض مشاريع تفتيت، صيغت بليل وأُريد لها أن تمزّق عراقًا تعب من الموت.

ما من مرجع ديني حاز على احترام رؤساء دول كما حاز السيستاني. زاره البابا فرنسيس في النجف، في لحظة تاريخية جمعت روح التسامح الإسلامي والإنساني في بيت متواضع. لم يسعَ السيستاني إلى سلطة، بل سعت إليه السلطة لتستمد شرعية أخلاقية في زمن ضاع فيه معنى الدولة.

ورغم نفوذه الواسع، لم يُشجّع يومًا على الانتقام، بل كان صوته دائمًا: اضبطوا النفس، واحقنوا الدماء، واصنعوا السلام. لم يكن رجل سياسة، بل كان رجل دولة، لا يفاوض على القيم، ولا يساوم على الدم العراقي.

سماحة السيّد السيستاني سيبقى في ذاكرة العراقيين مرجعًا لا يشبه أحدًا، لأنه اختار أن يكون للعراق كلّه، لا لطائفة، ولا لحزب، ولا لسلطة. وهكذا يصنع التاريخ رجاله: بالصمت، بالبصيرة، وبالرحمة.