واع / طبيب الغلابة المصري محمد المشالي:لقد اعطتني الدنيا اكثر مما اتمنى واكثر مما استحق؟!


واع / بغداد / خالد النجار
بعض القصص والاحداث والمواقف الانسانية تعبر الحدود لتصل الى من يهتم ويعتز بها ويحاول ان يتابعها ويفهم معانيها كما يجب، وقصتنا اليوم انسانية بحتة لشخصية مصرية وهي لـ ( دكتور الغلابة ) كما يصفها المصريين ويتحدث عنها ويتابعها ، ولكي اسردها لكم اليوم واتناولها هي قصة ( طبيب الغلابة المصري د. محمد عبد الغفارالمشالي) حيث اتصلت بزميلي وصديقي الشاعر والاديب والصحفي المصري احمد عنتر مصطفى الذي عمل معنا في العراق منذ الثمانينات في ( مجلة افـاق عربيـة ) ، وطلبت منه ان يوصل يوجه اسالتي الصحفية لدكتور الغلابة محمد المشالي في مصر،وانسانيته التي ذاع صيتها بشكل كبير، حيث جمع اسالتي ليطرحها مباشرة على الدكتور المشالي ليجيب عليها ويرسلها لي لاحقا، وقد تاخرفي ارسالها لي معذورا لوفاة شقيقته في مصر، وعندما ارسلها لي بعد لقائه بالدكتورالمشالي كان هذا الدكتور والانسان الطيب قد ودعنا ايضا الى دنيا الاخره رحمه الله ..
بدات حياه رجل افنى عمره في خدمة الفقراء والمحتاجين حيث تمكن هذا الطبيب من رسم البسمة وعلاج عشرات الالاف من المرضى وخاصة الاطفال وقد سخر حياته المهنية والشخصية لخدمة الاطفال والفقراء بشكل كبير حيث يذرف الدموع عليه كل من تعامل معه لعلاج ابنائهم وذويهم ..ولايفوتني ان اذكر بان زميلي الشاعراحمد عنتر قد ساهم في كتابة بعض الاسئلة الي يعرفها عن هذا الدكتور وتفاصيل قد تفوتني في اللقاء.
أن ذيوع قصة الطبيب محمد عبد الغفار المشالي الإنسانية في مهنته ومعالجته للفقراء مجانا كشفت لنا ما يتمتع به هذا الطبيب الراحل من أخلاق وتضحية وعطاء، ومثالاً يحتذى به، وهذا لا يمنع من القول إن هناك المئات مثل هذه الشخصية الانسانية التي قلت في زمننا الكافر هذا وماحصل للانسانية فيها،ولابد ان يكون هناك ايضا اطباء عراقيين يحملون روح الانسانية في مسيرتهم ونعرف بعضا منهم هنا وهناك ولكنهم نادرون جدا في هذا الوقت بالذات ، ونعود للدكتور المشالي في الاسئلة التي طرحناها عليه رحمه الله قبل ان يودع الدنيا..
س ـ كيف تمضي في امورك وحاجاتك المهنية والطبية والعائلية ومتابعة المرضى وحالاتهم ؟
الدكتور المشالي يقول لـ ( واع ) : بعد التخرج امضيت حياتي وقبل الزواج في خدمة المرضى وخاصة شريحة الاطفال وباقي الشرائح ، وكل ذلك لم يؤثر على حياتي العائلية بعد الزواج ، وانا مكتفي بما توفره لي العيادة ،لتمشية امور حياتي اليومية ، ولم ولن احتاج اليهم بل على العكس فانا من يدعمهم ويساعدهم بكل مااملك من مال!وهناك مثال على ذلك يقول( بيع رخيص تكسب كتير)! وعودت نفسي على مصاريف محددة ولاابالغ حين اقول بان مااكسبة يعيشني حياة كريمة وفيها عمل انساني كبير لمساعدة المراجعين من المرضى واقدم لهم مايمكن المساعدة الطبية وكذلك اقدم لهم مساعدة في دفع اجور العلاج من الصيدليات وحسب حاجة كل مريض!!
مؤكدا : هناك مرضى ايضا لايمكنهم مراجعة العيادة لفقر حالتهم حيث لايمكنهم التنقل بسيارة تكسي من والى العيادة ! لذا اقوم انا بزيارتهم وتشخيص الحالة واعطيهم العلاج ايضا ،واعود الى عيادتي ، وفي الارياف ايضا هناك مراجعين يراجعوني في بيتي ايضا وفي اي وقت ! ولااتردد في المعالجة والتشخيص لكل حالة ، وكما تعرفون فان تشخيص وعلاج الحالة لكل مريض لاتقل عن ( 70 جنيه الى 80 جنيه) في العيادات العامة ،ولكنى استقبل كل المراجعين واكثرهم حالتهم المعيشية تعبانة ، والله عزوجل اعطاني قوة بدنية وعقلية ( جامدة ) والحمد لله واحس بالغلابة اوي اوي !!ولااتقاضى سوى مبلغ لايتجاوز( 10 جنيه) والذي لايتمكن من الدفع ايضا اعطيه مبلغ من المال للعودة الى بيته !!
س ـ ماذا عن زوجتك وابنائك وموقفهم من علاج الناس في البيت ؟
د. المشالي: يسالني الكثير من الصحفيين عن هذا الموضوع واقول بصراحة لان زوجتي ايضا دكتورة وقد اتفقنا ومنذ زواجنا على ان اساهم في عملي لمساعدة الناس طبيا وعلاجيا بدون ان تكون هناك اية اشكالية فيما بيننا كزوجين لانها متفهمة جدا لعملي ، نعم نحن ومنذ زواجنا اتفقت ايضا معها على مبدا معالجة الناس بشكل (مجاني ) وخاصة للمعوزين والفقراء ! وهي متجاوبة معي بذلك واستمرت حياتنا الزوجية منذ فترة طويلة جدا ولحد الان ، وانجبنا بنات واولاد واصبحنا كبارا والحمد لله منهم مهندسين واطباء واصبحوا يمتلكون امكانات مادية ممتازة ، حتى انهم ليسوا بحاجة الى مساعدة منا !
س ـ لاحظنا في عيادتك المتواضعه بعض الملابس الجديدة والمعلقة امامك ماسبب وجودها ؟
د. المشالي : نعم ان سبب وجود هذه الملابس وبعض الهدايا من الناس انفسهم وخاصة اصحاب المهن المعروفة في مجالات الخياطة الرجالية وكذلك بعض الفنانين وبشكل عام المهنيين الذين يراجعون من اجل تطبيب ابنائهم ، وانا امتنع عن اخذ اي مبلغ منهم فيقوم البعض برد الجميل بتقديره بهذه الصورة ، وانا شخصيا لااحتاجها كثيرا ومعظم الاوقات اوزع منها على بعض المحتاجين من المرضى وكل حسب حاجاته سواء الملابس او المفروشات وغيرها من الهدايا الكثيرة ، وانا لااتقبلها منهم كوني اعمل بارادتي واشعر بمساعدتي انسانيا اكثر من الحصول على اي مكسب مادي او غير ذلك ! وهم يقدمونها نوعا من رد الجميل ولااقبلها ولكن يصرون عليها فاضطر بقبولها واتصرف بها لاحقا في تقديمها لمن يحتاجها !
س ـ هل تشاركون شخصيا في ندوات او سيمينارات علمية وطبية محلية او عربية ودولية ؟
د. المشالي : نعم عندما يكون لدي الوقت ، وفي معظم الاوقات ترسل لي الدعوات للحضور والمشاركة في الندوات والسيمنارات العلمية والطبية لذلك وخاصة هنا في ( طنطا) وبصراحة ، ولااذهب خارج طنطا نهائيا وخاصة مؤتمرات علمية لشركات الادوية واطلع على كل ماهو جديد في عملي الطبي ، وبدون ان استعمل اواحمل جهاز ( الموبايل ) ولاحتى الهاتف الارضي موجود فقط في البيت للحالات الطارئة .لان حملي للموبايل سيؤثر على عملي من خلال كثرة النداءات والاستفسارات لذلك لايوجد عندي موبايل احمله هنا في العيادة ! كذلك ليس لدي ( اية اجهزة تلفزيون او راديو) ولااية وسيله للتسلية او سماع الاخبار،فقط اقرا الصحف المحلية المختلفة والمجلات العلمية تصلني والتي تلاحظونها على مكتب متناثرة وكل مايسمح به الوقت او الفراغ اتمتع بالقراءة !
س ــ وهل اشتكى عليك الاطباء في النقابة بسبب علاجك المرضى ( مجانا) ! وعدم تقاضيك اية مبالغ كبيرة كالتي يتاقضونها وقد تتسبب في الاضراربمصالحهم؟
د. المشالي : اقولها وبصراحة والشهادة لله انه لم يحصل اطلاقا اي شئ من هذا سواء ان يشتكي الاطباء مني للنقابة ! فلم تحصل مثل ذلك، ولم يتهجم علي اي منهم على طريقة عملي! مع انه كانت هناك اشاعات مغرضة بانهم اشتكوا على عملي في النقابة ولم يحصل ذلك اطلاقا ؟ واود ان اقول لكل زملائي الاطباء الاعزاء انا اشكركم جدا وانتوا اعزاء علي واتشرف بكم ،واوصيكم خيرا وعونا للفقراء ،وانا اتمنى لابناء شعبنا المصري العمل بطاقة ايجابية والعمل كرجل واحد بطاقة ايجابية لخدمة ابناء شعبنا في كل المجالات..
س ـ من خلال متابعتنا لاحظنا بان احدى الفضائيات عرضت عليكم مبلغا ماليا كبيرا لتطويرعيادتكم وتحديثها لمواقفكم الانسانية العظيمة وبدون مقابل؟ ماصحة ذلك ؟ ولماذا اعترضت ؟
د. المشالي : نعم لقد حصل ذلك وكان منهم خطوة انسانية طيبة وكان ظنهم باني فقير الحال ولكني كنت ولاازال عكس ذلك ؟ نعم فحالتي المالية جيدة جدا والحمد لله ! بصراحة انا قادرعلى تطويرعيادتي وفق المواصفات الحديثة التي ذكرتها حضرتك ، ولكني اقترحت عليهم تقديم هذه المساعدة الكبيرة للعوائل الفقيرة والمحتاجة وخاصة لمن لديهم مرضى سواء من الا طفال او الكبار؟ ويمكن لتلك الجهة ان تقدم هذه الاعانة الكبيرة للفقراء والمحتاجين من المرضى او من له حاجة بالمال وان يتبرعوا بها لملاجئ الايتام ولكبار السن من المحتاجين ..
ويضيف د. المشالي : اكرر قولي هذا بان لدي الامكانية على تطويرها وتغيير الديكورات فيها ، وسبب امتناعي عن ذلك بان هذا التغيير والديكورات الجديدة الفخمة والحديثة والاجهزة الطبية وغيرها ستبعد عني هؤلاء الفقراء بسبب فخامة المكان والاكسسوارات والديكورات التي ستكون وبالا عليهم !! وعلى الاستمرار بمراجعتي وانا افضل هذا الحال ولدي عشرات بل المئات من المراجعين يوميا ولااتقاضى سوى مبلغ ضئيل لايتجاوز ( 6 او 7 جنيه) وهو لايقاس بما يتقاضاه الاطباء في تلك العيادات حيث تصل قيمة المراجعه بـ ( 200 الى 300 جنيه مصري) وانت عارف هذا مبلغ كبير ولايمكن لاية عائلة ان توفره للعلاج ، وانا سابقى على حالي هذا والحمد لله .
واوضح د. المشالي : لااكتم عليكم سرا عن سبب اصراري على اسلوبي فقد اكتشفت بعد تخرجي من ( كليـة الطـب) ان ابي كان يعاني من مرض شديد اثر على صحته حيث ضحى بتكاليف علاجه هو شخصيا ليجعل مني طبيباً .. ( فعاهدت الله ألا اخذ قرشا واحدا من فقير او معدوم ).. رحم الله هذا الانسان العظيم واسكنه فسيح جناته .
من جانبه قال المهندس وليد محمد المشالي الابن الاكبر للدكتور الراحل قال لـ ( واع ) : كما تعرفون ان والدي رحمه الله كان جادا في عمله ولايتمتع باية اجازة سواء في العيـد وفي شم النسيم اواية مناسبة عائلية اوعامة،لانه فقد كرس نفسه للعمل في معالجة الناس وخاصة الاطفال ، ولم يفكر في اية وسيلة متعة او تسلية غير ذلك ، سوى قرءاة الكتب والصحف التي تكون معه على الفراش ويتمتع بالقراءة بشكل كبير ولايجلس كثيرا امام التلفزيون او وسائل التقنية الحديثة الاخرى.واحنا صغار تعودنا نشوف والدنا رحمه الله على هذا النمط من حياته، وعملنا في دول الخليج لايسمح لنا الا بزيارته في اجازة حيث يكون جالسا معانا خلال فترة الاجازة ، وفي يوم اللي حسينا انه يعاني من التعب والارهاق ، وفي اليوم الثاني تعودنا عليه يوم الاثنين انه بيصحى مبكرا ، وكانت والدتي ايقظته في الساعة 11 قبل الظهرليذهب للعيادة كالمعتاد ! فوجدت انه لايمتلك القدرة على النهوض كما تعودت عليه ،وانه مرهق جدا ،وكان في الحالة هذه حتى الساعه العاشرة ليلا ، وهذه اول مرة تحصل معه ، ونام وكانت والدتي تتابعه وهو نائم ، ولكن في الساعة 12 في الليل لاحظت انه بلا حركة ، وعرفت انه مات رحمه الله.
لقد تركت ايها العظيم فراغا لا تملأه شمم الجبال..عشت طيب الذكر ومت لكى تحيا بما فعلت إلى الأبد. احبك الناس واحببتهم و لم نراك و لكن عزاءنا ،كم انت سعيد بمحبة الله التى استودعها قلوب الملايين من الناس سواء من مصر او من دول العالم رحمك الله ..
( الدكتور عبد الغفار المشالي ..في سطور ) ..
تخرج من كلية الطب عام 1967 يعالج الفقراء منذ 50 سنة (مجانا) في عيادته بل ويعطيهم المال لشراء الدواء ولا يأخذ سوى ( 6 جنيهات ) مقابل الكشف للمرضى القادرين ماديا، والذي لايمتلك المال فانه يساعدة حتى بالعلاج والدواء المجاني ..
ــ كان يصطف يوميا مئات المرضى امام عيادته المتواضعة ويعمل الدكتور محمد 10 ساعات يوميا من الساعة 9 صباحا وحتى الساعة 7 مساءا ليعالج أكبرعدد من الناس .
ــ د . محمد المشالي لا يمتلك سيارة ولا حتى هاتف خلوي (موبايل ) ويسير من منزله الى العيادة سيرا على الاقدام رغم ان عمره بلغ 80عاما ..
ــ عندما سمع أحد اثرياء الخليج عن قصته تبرع له بــ20 ألف دولار و اهداه سيارة رأفتا بحاله لكن بعد سنة اكتشف فاعل الخير عند عودته لمصر ان د. محمد قد وزع المال على مرضاه الفقراء وباع السيارة ليشترى اجهزة تحاليل ليحلل لمرضاه مجانا .