واع /مبدأ الفصل بين السلطات …رؤية قانونية في التأصيل الفلسفي / آراء حرة / بقلم: د. وليد حسن الزيّادي
مما لا شك فيه أنَّ أعمال الدولة ووظائفها ليست جميعها ذات طبيعة واحدة، فقد ذهب أرسطو منذ القدم مُقسماً إياها إلى ثلاثة: المداولة والأمر والقضاء، وقد جاء هذا التقسيم الثلاثي ليُطابق النظام السياسي الذي كان سائداً آنذاك، والمؤلف من الجمعية الشعبية العامة وهيئة الحكام أو الموظفون والهيئة القضائية (المحاكم)، إلا أنَّ التقابل بين هذه الهيئات وتلك الأعمال لم يصل عند أرسطو وسواه من المفكرين القدامى إلى حد القول بضرورة الفصل بين هذه الهيئات المتولية لتلك الأعمال المختلفة.
وقد أدرك الفيلسوف الإنكليزي (لوك) مبدأ الفصل بين سلطتي التشريع والتنفيذ ــــــ وإن كان لم يصر على الضرورة المطلقة لهذا الفصل ــــــ مقسماً الدولة إلى أربع سلطات مخالفاً بذلك أرسطو، الأولى: سلطة التشريع (وفي ضمنها القضاء بذريعة أنَّ البرلمان البريطاني كان حينذاك محكمة فصل في القضايا الهامة، ولايزال مجلس اللوردات ــ حتى في وقتنا الحاضر ـــــ محتفظاً ببعض الاختصاصات القضائية)، والثانية : السلطة التنفيذية (التي عَدّها سلطة تابعة للسلطة التشريعية)، والثالثة : السلطات الاتحادية (المُدبرة لعلاقات الدولة الخارجية)، والرابعة : سلطة التاج (وتضم مجموعة الحقوق والامتيازات الملكيةكافة) .
ثم جاء الفيلسوف (جان جاك روسو) في كتابه العقد الاجتماعي، فجعل التشريع السلطة الوحيدة في الدولة، وعَدّها السلطة السيدة، وقد أوجب أنْ تكون مثل هذه السلطة بيد الشعب مباشرةً، على أن تتولى التنفيذ سلطة خادمة وتشمل القضاء كذلك ــ لأنه في نظر روسو ـ جزءاً من التنفيذ.
وفي سنة 1748 بدأ (مونتسيكيو) في كتابه الشهير (روح القوانين)، بتقسيم وظائف الدولة إلى ثلاث وهي:(التشريع والتنفيذ والقضاء)، ثم أتبع ذلك بنظريته الشهيرة في فصل هذه السلطات، وقال قولته الشهيرة: إِنَّ (السلطة تحد السلطة) أو (السلطة تقف السلطة)، وقد عُدَّتْ نظريته من دعائم الحرية السياسية، وأُتخذت سلاحاً لمنازلة الحكم المطلق وتقويض بنيانه. وقد سادت بعض الدساتير كدستور الولايات المتحدة الأمريكية لعام 1787 وإنْ كان قد رفضتها دساتير أُخرى.
وترتيباً على هذا المبدأ، فالسلطات موزعة بين هيئات ثلاث، وذلك فيما بين الهيئتين التشريعية والتنفيذية مع كفالة التعاون والتوازن بينهما، على أنْ تكون الهيئة القضائية حامية للدستور ورقيبة على هاتين السلطتين، وقد أنتقد بعض الفقهاء التفسير الكلي المطلق لهذا المبدأ، كونه يؤدي إلى العزلة بين جميع الهيئات في الدولة، وهذا بحد ذاته يجسد الفهم الخاطئ لحقيقة هذا المبدأ.
وحريٌ بالذكر أنَّ مبدأ الفصل بين السلطات مثلما يُعدبالنسبة لواضعي بعض الدساتير ـ كالدستور الأمريكي مثلاً ــــــ عقيدة يدينون بها لإعتباره سياجاً للحريات وضماناً لها، وسلاحاً يقي من الاستبداد والطغيان، فإنه يُعد في الوقت عينه مبدًأ أساسياً في التنظيم القضائي، وهو الذي يؤكد استقلال القضاء وحياده عن السلطتين الأخرتيين في الدولة، وقد لاقى هذا المبدأ في ميدان فلاسفة القانون العام كثيراً من الانتقادات، ولاسيما (دكروك وديكي).
وفي رأي الأستاذين: (هنري سولوس و روجه بيرمر) أنّهذا المبدأ ينبغي أنْ يُنظر إليه بوصفه الحجر الأساس لبناء تنظيم قضائي سليم، لأنه يُعد ضمانة للحريات الفردية ضد السلطة المطلقة، ولأنه يؤكد استقلال القضاء، وإذا ما تزعزع هذا المبدأ فسيخسر القضاء هذا الاستقلال ليصبح أداة سياسية أو يصير عقيدة سياسية.
ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد، أنه من الخطر الأكيد الأخذ بآراء بعض فقهاء القانون العام كالعميد (ديكي) الذي ذهب إلى أنَّ السلطة القضائية ليست في الحقيقة إلا جزءاً من السلطة التنفيذية، لأن كلتيهما مكلفتان بتطبيق القانون، ومثل هذه الآراء لا تؤدي إلى تهديد استقلال القضاء فحسب ولكنها غير صحيحة من الناحية القانونية.
وإذا ما أردنا الحديث عن النتائج العملية المترتبة على هذا المبدأ نقول: يترتب على مبدأ الفصل بين السلطات أن لايحصل ازدواج في السلطات (التشريعية والتنفيذية، والتشريعية والقضائية، والتنفيذية والقضائية).
يترشح من كل ماتقدم، لعل من أفضل المفاهيم لا بل أكثرها قبولاً لهذا المبدأ، ما ذهب إليه الفقيه الفرنسي (مونتسكيو) الذي كان له الفضل الكبير في إظهاره إلى حيز الوجود، إذ لم يُذكر هذا المبدأ إلّا ويكون مقترناً باسمه. إذ يقضي بقيام التوازن بين السلطات الثلاث في الدولة مع نوع من التعاون والرقابة المتبادلة بينهم، سيما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

