واع / دائرة مفرغة من الفساد والتكرار.. بصفقات هستيرية/ اراء حرة / بقلم : هدى زوين
لم يقتصر الفساد الذي عم البلاد في السنوات السابقة على أشكاله التقليدية فحسب، بل تفرع إلى ما يمكن تسميته بالصفقات الهستيرية؛ صفقات تُدار بعيدًا عن أي منطق مؤسسي أو مصلحة عامة، وتستند فقط إلى مصالح ضيقة وأهواء شخصية. هذه الصفقات لا تترك أثرًا على الاقتصاد والمجتمع فحسب، بل تُرسّخ أيضًا ثقافة الانحراف في إدارة الشأن العام، وتحوّل المؤسسات إلى أدوات لتثبيت نفوذ قلة محدودة على حساب الجميع.
تتسم هذه الصفقات بالتكرار المستمر، حيث نجد نفس الشخصيات تعود لتتصدر المشهد، ونفس الأفكار القديمة تعاد على نحو ميكانيكي، بلا أي تجديد أو تطوير. النتيجة أن عجلة التنمية لا تتحرك، والإصلاح يظل حلمًا بعيد المنال. كل محاولة لتغيير الواقع تصطدم بعقبات غير مرئية، وكأن هناك منظومة كاملة تسعى للحفاظ على الوضع القائم بغض النظر عن الأضرار المترتبة عليه.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فهذه الدائرة المفرغة لا تؤثر فقط على المستوى السياسي أو الاقتصادي، بل تمتد لتطال المجتمع بأسره، فتضعف الثقة العامة في المؤسسات، وتعيق أي محاولة للتطوير أو الابتكار. المواطن يرى نفسه محاصرًا بين وعود فارغة وقرارات تتكرر بلا فائدة، بينما الفئات المستفيدة من الوضع القائم تكمل دورة مكاسبها على حساب مستقبل الجميع.
ما يزيد الطين بلة هو غياب آليات رقابية فعّالة وقوانين صارمة تطبق بحق كل من يسيء استخدام موقعه أو منصبه. فبدلًا من معالجة الأسباب الجذرية للفساد، نجد أنفسنا أمام إجراءات رمزية لا تغيّر شيئًا، وتترك الباب مفتوحًا لتكرار الأخطاء نفسها.
إن استمرار هذه الدائرة المفرغة يمثل تهديدًا حقيقيًا لمستقبل الدولة والمجتمع. الحل لا يكمن فقط في استنكار الفساد، بل في إعادة بناء مؤسسات الدولة من الأساس، وإرساء قيم الشفافية والمساءلة، وتبني سياسات واضحة تمنع تكرار هذه الممارسات. كما يجب أن يشمل الإصلاح تطوير الفكر الإداري وتعزيز ثقافة الخدمة العامة، بعيدًا عن المصالح الشخصية والفئوية، حتى يتمكن المجتمع من التحرر من قيود الماضي وإعادة صياغة مستقبله.
الصفقات الهستيرية ليست مجرد مشكلة اقتصادية أو سياسية، بل هي انعكاس لخلل أعمق في منظومة القيم والرقابة والوعي المجتمعي. ومع استمرارها، يظل الحاضر معتمًا والمستقبل مجهولًا، ما لم يتحرك الجميع، من مواطنين وقوى سياسية ومؤسسات رقابية، لإطلاق عملية إصلاح حقيقية وجذرية.


