واع / الإعلام خلف الشاشات الملونة/ آراء حرة / بقلم الكاتبة: هدى زوين
رسالة نبدأ منها كوظيفة غرست بمبادئنا وأخلاقها،في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات أكثر لمعانًا من الحقيقة أحيانًا، يقف الإعلام أمام اختبارٍ جوهري: هل ما يُقدَّم رسالة أم مجرد عرض بصري مُتقن؟ فخلف الألوان الزاهية والديكورات الجذابة، تختبئ مسؤولية ثقيلة تُحمَّل على عاتق من اختار الإعلام مهنة ورسالة، لا مجرد وظيفة عابرة.
الإعلام الحقيقي يبدأ من المبادئ التي تُغرس في الضمير قبل أن تُبث على الشاشة. الصدق، النزاهة، واحترام عقل المتلقي، هي أسس لا تُقاس بجودة الصورة ولا بحداثة الاستوديو، بل بعمق الكلمة وصدق الطرح. فالشاشة قد تكون ملونة، لكن الرسالة يجب أن تبقى واضحة ونقية.
غير أن المشهد الإعلامي اليوم يكشف عن إشكالية متزايدة، حيث نلحظ أن بعض مقدّمي البرامج يفتقرون إلى فن البلاغة اللفظية، فيتحدثون بلغة أقرب إلى العُري الفكري واللغوي، لغة تُقال بلا وزن، وتُلقى بلا صياغة، وتخلو من العمق الذي يحترم الذائقة العامة. فاللغة في الإعلام ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هوية ورسالة، وحين تُهمَل، يتحول الإعلام من مساحة وعي إلى ساحة ضجيج.
والأخطر من ذلك، أن بعض القنوات لا تكتفي بسطحية الخطاب، بل تستغل مقدّم البرنامج نفسه كأداة ضغط على الضيف، خدمةً لمصالح شخصية أو أجندات خفية. فيتحول الحوار من مساحة لعرض الرأي والرأي الآخر، إلى فخ لغوي أو نفسي، تُمارَس فيه الإدانة المسبقة، والإرباك، وتحميل المواقف قسرًا. وهنا يفقد الإعلام دوره كمنبر حر، ويتحوّل إلى أداة توجيه واستغلال مغلّفة بالألوان.
في مثل هذه الحالات، لا يكون المقدّم ناقلًا أمينًا، بل جزءًا من منظومة تضليل، تُقدَّم للمشاهد على أنها جرأة إعلامية أو مهنية عالية، بينما هي في حقيقتها خروج واضح عن أخلاقيات المهنة. فالإعلامي الحقيقي هو من يحاور لا من يحاصر، ومن يطرح السؤال بحثًا عن الحقيقة لا لصناعة الاتهام، ومن يمتلك لغة راقية وفكرًا ناضجًا لا يُستَخدم ولا يَستَخدم.
الإعلام ليس شاشة ناطقة، ولا منصة ضغط، ولا ساحة استعراض لغوي فارغ. هو موقف أخلاقي قبل أن يكون مهنة، ومسؤولية إنسانية قبل أن يكون برنامجًا. فحين تُسخَّر اللغة للابتذال، ويُستغل المقدم للضغط، وتُلوَّن الحقيقة وفق المصالح، يصبح الإعلام خطرًا لا رسالة.
وحده الإعلام الذي يحترم الكلمة، يصون الضيف، ويخاطب عقل المشاهد بوعي وبلاغة، هو القادر على البقاء. لأن الألوان تزول، أما القيم فتبقى.


