واع / الإعلام العراقي ومكافحة الفساد: السلاح المُعطّل /اراء حرة / الدكتور احمد الحاج


بين زوايا مكاتب التحرير التي يعلوها الغبار وواقع الفساد الذي ينخر في جسد الدولة العراقية، يقف الإعلام على خط المواجهة الأول. لكن هل يحمل هذا الإعلام فعلاً السلاح الذي يُفترض به أن يكون أداة كشف ومراقبة ومحاسبة؟ أم أنه تحول في كثير من الأحيان إلى جزء من منظومة الفساد نفسها، أو على أفضل تقدير، إلى متفرج سلبي؟
يتعامل الإعلام العراقي مع قضية الفساد بمنطق مزدوج يتأرجح بين التهويل والتهميش:
· فساد كـ “خبر عادي”: تحولت أخبار الفساد إلى مادة إعلامية روتينية تفقد مع الوقت قدرتها على الصدمة أو التحريك. يُذكر اسم متهم بالفساد كما يُذكر حال الطقس، دون متابعة أو تحقيق في مصير القضية.
· الخطاب الانفعالي العاجز: يتحول الحديث عن الفساد إلى خطاب عاطفي مليء بالشعارات والاتهامات العامة، يخلو من الوثائق والأدلة والتحقيقات المتعمقة التي تؤسس لقضايا قانونية رصينة.
· الفساد الانتقائي: تكشف بعض الوسائل الإعلامية عن قضايا فساد تخص الخصوم السياسيين، بينما تتغاضى عن فساد المحاسيب والحلفاء. الفساد هنا ليس جريمة وطنية، بل سلاح في المعارك الحزبية والطائفية.
· غياب الحماية: يعمل الصحفي الاستقصائي في بيئة خطرة، تخلو من الحماية القانونية والفعلية، مما يجعل كشف الفساد مغامرة قد تكلّف حياته أو حريته. ممكن أن تكون
المعركة ليست خاسرة إذا تم تفعيل دور الإعلام عبر:
· الإعلام الاستقصائي المستقل: دعم وإنشاء وحدات تحقيقات استقصائية متخصصة وممولة بشكل مستقل، تعمل في سرية وبدعم قانوني.
· التحالفات مع المجتمع المدني: بناء تحالفات بين الإعلام ومنظمات الشفافية والنشطاء والمحامين، لخلق شبكة دعم للقضايا التي يتم كشفها.
· التركيز على القصص الإنسانية: تحويل أرقام الفساد المجردة إلى قصص إنسانية توضح تأثير سرقة المال العام على حياة المواطن العادي: في التعليم، والصحة، والبنى التحتية.
· الضغط من أجل التشريعات: قيادة حملات إعلامية للمطالبة بقوانين تحمي المبلغين عن الفساد (الوكلاء المخبرين)، وتضمن حق الوصول إلى المعلومات، وتُدخل الشفافية في العقود الحكومية.
· التعليم الإعلامي: تدريب جيل جديد من الصحفيين على أدوات التحقيق في الجرائم المالية، وبناء قواعد بيانات، وفنون التحليل المالي.
واخيراً
ان الفساد في العراق ليس مجرد سرقة أموال؛ إنه سرقة مستقبل أجيال، وتفكيك لدولة، وتدمير لثقة المواطن بمؤسساته. والإعلام الذي يتخلى عن دوره في كشف هذا الفساد، هو شريك في الجريمة بطريقة غير مباشرة.
لكن الأمل لا يزال قائماً. فهناك نماذج مشرفة لصحفيين وشبكات إعلامية خاضت معارك كشف الفساد بدأب وشجاعة. نجاحهم، ولو محدوداً، يثبت أن السلطة الرابعة قادرة على أن تكون رقابة حقيقية عندما تكون مستقلة وشجاعة.

المواطنون يتوقون إلى إعلام يكون صوتاً للضمير، عيناً ساهرة على المال العام، وسيفاً مسلطاً على رقاب الفاسدين. هذا ليس دوراً إضافياً للإعلام، بل هو جوهر رسالته وسبب وجوده. عندما ينجح الإعلام في هذه المهمة، فهو لا يكشف الفساد فحسب، بل يعيد بناء عقد الثقة بين الدولة والمواطن، ويشارك في صناعة وطن يستحق العيش فيه.