واع / الغضب الأمريكي يتجدد: هل تراجع الدولة عن مبادئها الدستورية بات واقعًا؟
واع / كتب / جاسم الجيزاني
لا تبدو الاحتجاجات التي عمّت الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة مجرد رد فعل عابر على حادثة أمنية أودت بحياة فتاة أمريكية، بل تبدو علامة أوسع على أزمة ثقة متصاعدة بين الشارع ومؤسسات الحكم. فما حدث كشف مجددًا هشاشة الصورة التي تحرص واشنطن على تقديمها للعالم بوصفها حامية الديمقراطية وحقوق الإنسان، في حين يواجه المواطنون في الداخل عنفًا مفرطًا وتهديدًا لحرياتهم الأساسية.ربما المفارقة الأبرز في هذه الاحتجاجات هي تلك التي تتعلق بالرئيس الحالي دونالد ترامب، الذي اعتاد أن يلوّح بتهديد الدول الأخرى بحجة حماية المتظاهرين وصون حقوقهم، بينما يُتهم اليوم من قبل قطاعات واسعة من الشعب بإدارة أجهزة الدولة بعقلية قمعية لا تختلف كثيرًا عن تلك التي ينتقدها في الخارج. هذا التناقض لا يعكس فقط ازدواجية سياسية، بل يكشف أيضًا عن أزمة أخلاقية عميقة داخل النظام السياسي الأمريكي نفسه.
الولايات المتحدة لم تكن بعيدة تاريخيًا عن الحركات الاحتجاجية الكبرى؛ من الحقوق المدنية إلى مناهضة الحروب، غالبًا ما كان الشارع هو من يذكّر الدولة بقيمة المبادئ التي تأسست عليها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل لا تزال هذه الدولة قادرة على الاستماع للشارع، أم أن السلطة باتت أكثر استعدادًا لاستخدام القوة لحماية مؤسساتها ولو على حساب مواطنيها؟الاحتجاجات الأخيرة تعكس أيضًا تحوّلًا في وعي المواطن الأمريكي. فالأجيال الجديدة التي نشأت على شعارات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية باتت أقل تسامحًا مع ازدواج المعايير وأكثر جرأة في نقد الدولة ومساءلتها. وربما لهذا السبب توسعت رقعة التظاهرات رغم محاولات التهدئة، لأن القضية لم تعد مرتبطة بحادثة فردية بقدر ما باتت تعبيرًا عن احتجاج سياسي على منظومة كاملة.قد يحاجج البعض بأن النظام الأمريكي لا يزال قادرًا على امتصاص الغضب وإجراء الإصلاحات اللازمة، وربما يحدث ذلك بالفعل. لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن الديمقراطية الأمريكية تعيش اليوم لحظة اختبار حقيقية: هل ستختار المؤسسات الاعتراف بالأزمة والعودة إلى مبادئ الدستور القائمة على الحرية والعدالة والمساءلة؟ أم ستختار طريقًا آخر يضع الأمن فوق الحقوق ويعمّق الشروخ بين الدولة والمجتمع؟في كل الأحوال، ما يجري في الولايات المتحدة ليس مجرد مشهد داخلي، بل رسالة سياسية إلى العالم: الشعوب في كل مكان ترفض الظلم وتقاوم إخضاعها، حتى لو جاء ذلك من حكومات تدّعي حماية الحرية وهي أول من ينتهكها.
كتب – جاسم الجيزاني
لا تبدو الاحتجاجات التي عمّت الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة مجرد رد فعل عابر على حادثة أمنية أودت بحياة فتاة أمريكية، بل تبدو علامة أوسع على أزمة ثقة متصاعدة بين الشارع ومؤسسات الحكم. فما حدث كشف مجددًا هشاشة الصورة التي تحرص واشنطن على تقديمها للعالم بوصفها حامية الديمقراطية وحقوق الإنسان، في حين يواجه المواطنون في الداخل عنفًا مفرطًا وتهديدًا لحرياتهم الأساسية.ربما المفارقة الأبرز في هذه الاحتجاجات هي تلك التي تتعلق بالرئيس الحالي دونالد ترامب، الذي اعتاد أن يلوّح بتهديد الدول الأخرى بحجة حماية المتظاهرين وصون حقوقهم، بينما يُتهم اليوم من قبل قطاعات واسعة من الشعب بإدارة أجهزة الدولة بعقلية قمعية لا تختلف كثيرًا عن تلك التي ينتقدها في الخارج. هذا التناقض لا يعكس فقط ازدواجية سياسية، بل يكشف أيضًا عن أزمة أخلاقية عميقة داخل النظام السياسي الأمريكي نفسه.
الولايات المتحدة لم تكن بعيدة تاريخيًا عن الحركات الاحتجاجية الكبرى؛ من الحقوق المدنية إلى مناهضة الحروب، غالبًا ما كان الشارع هو من يذكّر الدولة بقيمة المبادئ التي تأسست عليها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل لا تزال هذه الدولة قادرة على الاستماع للشارع، أم أن السلطة باتت أكثر استعدادًا لاستخدام القوة لحماية مؤسساتها ولو على حساب مواطنيها؟الاحتجاجات الأخيرة تعكس أيضًا تحوّلًا في وعي المواطن الأمريكي. فالأجيال الجديدة التي نشأت على شعارات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية باتت أقل تسامحًا مع ازدواج المعايير وأكثر جرأة في نقد الدولة ومساءلتها. وربما لهذا السبب توسعت رقعة التظاهرات رغم محاولات التهدئة، لأن القضية لم تعد مرتبطة بحادثة فردية بقدر ما باتت تعبيرًا عن احتجاج سياسي على منظومة كاملة.قد يحاجج البعض بأن النظام الأمريكي لا يزال قادرًا على امتصاص الغضب وإجراء الإصلاحات اللازمة، وربما يحدث ذلك بالفعل. لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن الديمقراطية الأمريكية تعيش اليوم لحظة اختبار حقيقية: هل ستختار المؤسسات الاعتراف بالأزمة والعودة إلى مبادئ الدستور القائمة على الحرية والعدالة والمساءلة؟ أم ستختار طريقًا آخر يضع الأمن فوق الحقوق ويعمّق الشروخ بين الدولة والمجتمع؟في كل الأحوال، ما يجري في الولايات المتحدة ليس مجرد مشهد داخلي، بل رسالة سياسية إلى العالم: الشعوب في كل مكان ترفض الظلم وتقاوم إخضاعها، حتى لو جاء ذلك من حكومات تدّعي حماية الحرية وهي أول من ينتهكها.


