واع / شجاعة الموقف العراقي: صمود في وجه العاصفة السورية وداعش / آراء حرة / د. احمد الحاج
في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية معقدة، يبرز الموقف العراقي كنموذج للثبات الاستراتيجي والمسؤولية الإقليمية. ففي خضم العاصفة التي تجتاح سوريا وتهديدات تنظيم داعش الإرهابي، اتخذت بغداد موقفاً متوازناً يجمع بين حماية السيادة الوطنية والدعم للاستقرار الإقليمي.
واجه العراق تحدياً ثلاثي الأبعاد: موقف داعش في سوريا الذي يهدد أمنه، والصراع السوري الداخلي، والتدخلات الإقليمية والدولية المتقاطعة. رغم ذلك، تمسكت الحكومة العراقية بمبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مع التأكيد على ضرورة الحل السياسي للأزمة السورية.
لم ينحز العراق لأي طرف في الصراع السوري، بل دعا باستمرار إلى حوار وطني شامل يحافظ على وحدة سوريا وسيادتها. هذا الموقف الحكيم جنب العراق الانزلاق إلى تحالفات قد تزيد المنطقة تأججاً، مع الحفاظ على قنوات اتصال مع مختلف الأطراف.
وأظهر العراق شجاعة استثنائية في معركته ضد داعش، ليس فقط على أرضه، بل أيضاً من خلال التعاون الاستخباراتي والأمني مع الجانب السوري في مواجهة التهديد المشترك. فبغداد أدركت أن الإرهاب لا يعترف بالحدود، وأن هزيمة التنظيم تتطلب تعاوناً إقليمياً.
لقد تحول العراق من دولة كانت على شفا الانهيار أمام زحف داعش في 2014، إلى شريك فاعل في الحرب العالمية على الإرهاب. هذا التحول لم يكن ممكناً دون إرادة سياسية وشعبية جمعت المكونات العراقية تحت راية الوطن.
فواجه العراق ضغوطاً هائلة من قوى إقليمية ودولية لتغيير موقفه من الأزمة السورية، لكنه حافظ على سياقه الوطني في تحديد سياساته. كما تحمل تبعات إنسانية كبيرة نتيجة تدفق النازحين السوريين، حيث يستضيف آلاف العائلات رغم التحديات الاقتصادية التي يواجهها.
اليوم، وبعد هزيمة داعش عسكرياً، يواصل العراق لعب دور جسر للحوار بين الأطراف السورية، مؤمناً بأن استقرار سوريا هو جزء لا يتجزأ من استقرار العراق والمنطقة ككل.
فشجاعة الموقف العراقي لا تكمن في الانحياز أو المواقف الصدامية، بل في الحكمة والثبات على المبادئ رغم العواصف. لقد قدم العراق نموذجاً للدولة التي تتعافى من ويلات الإرهاب والحرب الأهلية، وتتحول إلى عامل استقرار في محيط مضطرب.
في النهاية، يذكرنا الموقف العراقي أن الشجاعة الحقيقية في السياسة الدولية ليست دائماً في رفع الصوت عالياً، بل في القدرة على الحفاظ على المسار الصحيح وسط ضغوط لا تحتمل، وهذا بالضبط ما تفعله بغداد في أحد أكثر ملفات المنطقة تعقيداً.


