واع / قراءة استراتيجية في لحظة ما قبل القرار…تسليم سجناء داعش بين الحقيقة الجيوسياسية ومسرح التضليل/اراءحرة /كتب غزوان ال عزاره

قراءة استراتيجية في لحظة ما قبل القرار

تسليم سجناء داعش بين الحقيقة الجيوسياسية ومسرح التضليل..

واع / كتب غزوان ال عزاره

في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، ووسط إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، يطفو على السطح ملف تسليم سجناء يُدّعى انتماؤهم إلى #تنظيم_داعش إلى الحكومة العراقية. هذا الملف، في ظاهره أمني، لكنه في جوهره جيوسياسي بامتياز، إذ يتقاطع مع حسابات النفوذ، وإدارة الصراعات، وإعادة إنتاج الأدوار في منطقة لم تغادر بعد منطق الحروب بالوكالة. إن ما يُقدَّم اليوم بوصفه إجراءً قانونيًا أو أمنيًا لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي طالما استُخدم فيه الإرهاب كأداة، لا كظاهرة طارئة.
إن الادعاء بتسليم سجناء من جنسيات متعددة على أنهم مقاتلو تنظيم داعش يثير شكوكًا عميقة لدى الرأي العام العراقي، لا سيما في ظل مؤشرات واضحة توحي بأن المشهد برمته قد أُعد وفق سيناريو مُسبق. فالعراقيون، الذين خبروا التنظيم وواجهوا جرائمه ميدانيًا، يدركون أن داعش لم يكن كيانًا منفصلًا عن شبكات مصالح معقدة، وأن سقوطه العسكري لم يعنِ بالضرورة تفكيكه البنيوي أو إنهاء وظيفته الجيوسياسية.

إن فرضية أن عناصر داعش “الأصليين” ما زال يتحركون تحت مظلات مختلفة، وربما تحت غطاء حكومات أو كيانات مأجورة فاقدة للسيادة الفعلية، ليست فرضية خيالية، بل قراءة تستند إلى سوابق إقليمية ودولية. ففي عالم السياسة الدولية، لا تُلغى الأدوات بعد انتهاء دورها، بل يُعاد توظيفها. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم تسليم السجناء كجزء من إعادة تنظيم الأدوار، حيث يُعاد تقديم الخطر ذاته بحلّة جديدة، مع تغيير الواجهة لا الجوهر.

جيوسياسيًا، يُستخدم ملف داعش اليوم لتبرير ترتيبات أمنية، أو لإدامة نفوذ خارجي، أو حتى لإعادة خلط الأوراق داخل الدول الهشة. وفي الحالة العراقية، يصبح الخطر مضاعفًا، لأن أي تضليل في هذا الملف لا يهدد الأمن الداخلي فحسب، بل يفتح الباب أمام عودة عدم الاستقرار، ويُضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. ومن هنا، فإن “المسرحية” المطروحة، مهما كانت محبوكة، لا تنطلي على وعي شعب دفع ثمن الإرهاب دمًا ودمارًا.

أمام هذا الواقع، تقع على عاتق البرلمان العراقي مسؤولية تاريخية لا تحتمل المجاملة أو التسويف. فالمطلوب ليس الاكتفاء بالبيانات، بل الشروع بإجراءات تحقق فعلية. إن تشكيل لجنة طبية مستقلة، تضم أطباء متطوعين مشهودًا لهم بالكفاءة والنزاهة، يُعد خطوة أساسية لفحص السجناء من الناحية الصحية والزمنية، وتحديد ما إذا كانوا حديثي الاعتقال أم من عناصر قديمة أُعيد إخراجها إلى المشهد.

كما أن إشراك الأمم المتحدة في هذه اللجنة يمنح العملية مصداقية دولية، ويؤسس لمرجعية محايدة يمكن الركون إليها عند اتخاذ القرار.

إن مقارنة نتائج الفحص مع معطيات وأرشيف الأمم المتحدة، ولا سيما ما يتعلق بهويات المعتقلين وتواريخ احتجازهم، تمثل نقطة الفصل بين الحقيقة والتضليل.

فإذا أثبتت التقارير أن المعتقلين حديثو الاعتقال بما يتعارض مع السجلات الدولية، فهنا تصدق النبوءة بأننا أمام إعادة تدوير للخطر لا تفكيكه.

أما إذا لم تتوافق الأسماء والإفادات مع أرشيف الأمم المتحدة، فإن ذلك يؤكد بما لا يقبل الشك أن السيناريو المطروح ليس سوى محاولة لتضليل الرأي العام، وتوجيهه بعيدًا عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بمصير التنظيم وشبكاته الحقيقية.
الخاتمة
إن العراق اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يتعامل مع ملف داعش بعقل الدولة السيادية، القائمة على الشفافية والتحقق والمساءلة، أو أن ينزلق مجددًا إلى دوامة السيناريوهات الجاهزة التي تُدار من خارج حدوده. إن كشف الحقيقة، مهما كانت صادمة، يبقى أقل كلفة من القبول بأكاذيب مُنمّقة قد تعيد إنتاج الإرهاب بأسماء جديدة. وحدها الرقابة البرلمانية الجادة، والتحقيق المستقل، وإشراك الجهات الدولية المختصة، قادرة على حماية الأمن الوطني ومنع تحويل دماء العراقيين مرة أخرى إلى وقود لمشاريع الآخرين.