واع / السِّلم واللاسلْم في الشرق الأوسط: قراءة في العلاقة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران/ آراء حرة / أ.م.د. محمد عبد جري / جامعة القادسية
يُعدّ الشرق الأوسط من أكثر الأقاليم تعقيدًا من حيث تحقيق السلم والاستقرار، إذ تتداخل فيه عوامل تاريخية ودينية وقومية وسياسية، تجعل من حالة “اللاسلْم” وضعًا شبه دائم، مقابل محاولات متكررة – لكنها محدودة الأثر – لترسيخ السلم. ومن ثمّ، فإن تحليل واقع السلم واللاسلْموتُعدّ العلاقة الأمريكية–الإيرانية من أكثر العلاقات الدولية تعقيدًا في النظام الدولي المعاصر، إذ تتداخل فيها الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية، فضلًا عن تأثيرها المباشر في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
ومنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، دخلت هذه العلاقة مرحلة جديدة اتسمت بتصاعد التوتر واعتماد استراتيجيات متبادلة لإدارة الصراع ضمن حدود محسوبة، بما يعكس انتقالها إلى حالة “اللاسلْم” المستقر حيث تمثل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران أحد أبرز نماذج “اللاسلْم” في النظام الدولي المعاصر، فهي لا ترقى إلى حالة الحرب المباشرة، ولا تصل في الوقت ذاته إلى مستوى السلم أو الاستقرار، بل تستقر في منطقة وسطى تتسم بالتوتر المستمر وإدارة الصراع بوسائل غير تقليدية ويمكن الإشارة بعدين أساسيين بعلاقتهما:-
أولًا: طبيعة الصراع المستمر بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، بدأت مرحلة “الضغط الأقصى”، التي اتسمت بالعقوبات الاقتصادية المشددة مقابل سياسة إيرانية قائمة على “الصبر الاستراتيجي” ثم “الرد المتدرج”. هذه المعادلة أفرزت نمطًا من الصراع المُستدام ،حيث يسعى كل طرف إلى إضعاف الآخر دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة من خلال
- العقوبات الاقتصادية: تعتمد الولايات المتحدة على منظومة عقوبات واسعة تستهدف قطاعات الطاقة والمصارف، بهدف تقويض القدرة الاقتصادية الإيرانيةواضعاف نفودها بالمنطقة بالمقابل سعت ايران الى خلق توازن اقتصادي بتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا
- الحروب بالوكالة: يتجلى الصراع في ساحات إقليمية متعددة مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان عبر دعم أطراف محلية وإقليمية متعارضة وفصائل مسلحة خارج تنظيم الدولة
- الردع العسكري غير المباشر: يشمل الضربات المحدودة، والوجود العسكري الأمريكي في الخليج، مقابل تطوير إيران لقدراتها الصاروخية وزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم الى 60%
- التصعيد الإعلامي والسيبراني: استخدام الفضاء الإلكتروني والحرب النفسية من قبل الطرفين كأدوات ضغط.
ثانيا: ملامح الوضع الراهن (المرحلة الحالية) بعد حرب الاثنا عشر يوما وضرب ايران بشكل مفاجئ من قبل الكيان الإسرائيلي ودعم امريكي مباشر انتهت بضرب المفاعلات النووية الإيرانية بشكل أدى الى تعطليها لمدة من الزمن ثم توقفت الحرب للدخول بمفاوضات غير جدية من قبل الطرفين والتي كانت عبارة عن التهيئة والاستعداد لحرب اكثر ضرواه من سابقتها استهدفت رموز النظام السياسي في ايران تمثلت باغتيال المرشد الأعلى ومجموعة من القادة السياسيين والعسكريين بمختلف الرتب والصنوف إضافة الى تدمير المنشآت الحيوية الأخرى في المقابل قامت ايران بتدمير جميع القواعد الامريكيةبالمنطقة وتحديدا منطقة الخليج العربي مما جعل العلاقة اليوم تتسم بما يمكن وصفه بـ“التهدئة الهشة”؛ إذ لا توجد مفاوضات شاملة وفعالة لإحياء الاتفاق النووي او وقف الحرب بشكل تام ونهائي وانعدام الفرص في الانتقال نحو السلم واحياء المسار الدبلوماسي بسبب
1- انعدام الثقة المتبادلة بين الطرفين
2- تغير الأولويات السياسية بعد الحرب
3- تداخل الملفات الإقليمية مع القضايا الثنائية
وفي النهاية يمكن توصيف العلاقة الأمريكية–الإيرانية في المرحلة الراهنة بأنها تجسيد عملي لحالة “اللاسلْم المستقر ”، حيث يُدار الصراع ضمن حدود تحول دون اندلاع حرب شاملة، لكنها في الوقت ذاته تمنع تحقيق سلام مستدام. ويعكس هذا النمط تحولًا في طبيعة الصراعات الدولية نحو مرحلة أكثر تعقيدًا وتداخلًا لا يمكن التكهن به .


