واع / قصة….آراء حرة/ بقلم :سمير علي الكندي
بعد احداث ٢٠٠٣ أصبحت عاطل على العمل . وبدل الجلوس في المنزل اخترت الخروج الى الشارع فتحولت الى شاهد عيان . شاهدت كيف الجمهور بدأ يحطم صور وتماثيل صدام. ثم شاهدت كيف بدأت أكبر عملية نهب في التأريخ . كنت قد شاهدت سابقا عملية نهب الكويت عام ٩٠، وقبلها عملية نهب ايران عام ٨٠ ، وقبلها عملية نهب المحافظات الشمالية عام ١٩٧٤ ! .
عام ٢٠٠٣ ، الناس البسطاء ذهبوا الى دوائر الدولة والمعامل والمدارس فنهبوا ما فيها من اثاث. ( يمكن طبقوا شعار نازل اخذ حقي ههه او مفهوم الغزوة التاريخي الذي كان ناشطا لدى كل اقوام البشرية ولم يكن مقتصرا على قوم دون غيرهم، وتروح غانم وترجع سالم كما تردد جداتنا بلا فهم ) .
شاهدت كيف تمت سرقت مخازن المراوح السقفية في معمل الاجهزة الكهربائية في الوزيرية. كنت مارا بسيارتي في الطريق السريع المواجه للمعمل. المخازن كان في الطابق الثاني وعملية الحوسمة تمت من خلال مجاميع قسم في أعلى السطح واخرين أسفل البناية في الشارع. فيقوم من هو في السطح برمي المروحة السقفية، فإن استطاعوا من هم في الأسفل تلقفها ركنت بجانبهم ومن سقطت على الأرض يتم تركها. وهناك بسطاء يرضون بمراوح محطمة.
الحرامية الكبار ذهبوا الى البنك المركزي والمصارف. كانوا مسلحين وكل مصرف دخلت فيه أكثر من عصابة . لم اذهب في حينها الى شارع المصارف الرئيسية والبنك المركزي في شارع الرشيد فقد كانت المواجهات شديدة بين العصابات، ويسقط كل يوم عدد من القتلى. ولكني كنت اصل الى شارع الكفاح حيث البورصة للعمل في بيع وشراء الدولار وهي المهنة الوحيدة التي كانت متوفرة في ذلك الوقت. وكان مصرف السباع على مقربة منا ودخلت فيه أكثر من عصابة وظلوا اكثر من اسبوع داخل المصرف يتقاتلون حتى حُسم الأمر لأحدهم وخرجت مجموعة منتصرة وهم يحملون خزينة الدولة واسلحتهم على صدورهم.
دخلوا الى السوق فاشتروا كل شيء وارتفعت اسعار السيارات بشكل جنوني، وكانوا يشترون الدولار بأي ثمن حتى ارتفع الى اكثر من ٣،٣ ألف دينار للدولار الواحد. ودخلوا سوق العملة في الكفاح والمنصور والكاظمية وكربلاء واربيل وسيطروا على سوق الدولار في كل العراق.
كان أحدهم اسمه جويسم. كان يأتي حاملا بلوكات الفلوس على صدره ويدخل السوق ويقول من يبيع. كان بسيطا وذو تعليم متدني وملابسه رثة. ومن خلال اكثر من عملية بيع دولار له أصبح لا يشتري الا من عندي. كان يقول انت الوحيد في السوق الذي تبيع الدولار بسعره وتأخذ ربحك القليل. ثم أصبح احد الأصدقاء. وبعد اكثر من عشر سنوات كانت لي مراجعة لاحد المصارف الأهلية التي افتتحت حديثا في زمن النظام الحالي وحين طلب مني الذهاب الى مدير عام المصرف تفاجأت بأن المدير العام هو جويسم!. لم يتغير كثيرا ولم يرتدي بدلة وربطة عنق بعد، عكس الكادر الموجود في المصرف. كان يرتدي ملابس ملونة شبابية ولكنها كانت تعكس خلفيته. قلت له، ها جويسم شو كاعد هنا. بس لا انت المدير. فطلب مني السكوت، قال يمعود محد يعرف بسالفة جويسم، اني اليوم استاذ جاسم فقلت له ، ما مبين عليك هههه.
في حكم عملي التجاري المرتبط بالدولار في تلك الفترة واكبت هذه المجاميع التي نشأت في عراق ما بعد ٢٠٠٣. بدأوا من خلال سرقة المصارف ثم التحقوا بسوق الدولار ثم دخلوا مزاد العملة. كانوا كل واحد منهم يشتري بمليار ونصف مليار دينار يوميا فما فوق، دولار وهو أقل رقم يمكن ان يدخل به الى المزاد وكانوا يقومون صباحا بإيداع ما لديهم من الدينار النقدي وكان يقدمون صكوك بدون رصيد بالمبلغ المتبقي ،ثم يقومون باستلام الدولار وبيعه في السوق وايداع المبالغ في المصارف لتغطية الصكوك المحررة بدون رصيد بالاتفاق مع موظفات المصارف الرئيسية لقاء عمولة وكانوا يحققون أرباح خيالية دون جهد حقيقي من خلال الفرق بين سعر الدولار الرسمي والسعر الموازي الذي يصل الى ٥ الاف دينار لكل ١٠٠ دولار بشكل يجعل المليار والنصف تربح من ٥٠ الى ٧٥ مليون دينار يوميا ! .
وكنا على هذا الحال من عام ٢٠٠٧ لغاية ٢٠٢٢ حتى اصبح الجويسميون قطط سمان يمتلكون كل شيء.
تطور الأمر ومن شركات صيرفة فتحوا مصارف أهلية ليسيطروا على سوق الدولار. اذكر في السنين الاولى من عملهم قبل نظام الحوالات كانوا يذهبون بأنفسهم لتبادل العملة على الحدود العراقية الايرانية والاردنية والسورية والتركية. وعندما جاء نظام الحوالات دخلوا هذا النظام وبدأوا بالتحويل للدول الخارجية وعملهم اصبح مرتبط بالجميع. فالتجار كانوا يذهبون اليهم لتحويل الدولار للخارج للأستيراد. والناس المسافرين كانوا يشترون منهم الدولار لأغراض السياحة والعلاج. والحلقة الأهم التي دخلت سوقهم هو حاجة السياسيين لتبييض أموالهم وتهريبها خارج القطر. في البداية كان البنك المركزي لا يشترط سبب التحويل وكان يطلب منهم تعهد ان يقدموا لاحقا فاتورة بالشراء. وكان باعة الدولار يقومون بكتابة قائمة شهرية من المواد شكلية كيفما اتفق لتغطية مشترياتهم من الدولار الحكومي ،وكانت قوائم الشراء محطة سخرية من العراقيين، وكيف يمكن استيراد شوندر بمئات الملايين من الدولارات!.
ومن خلال نظام الحوالات كانت هناك قائمة تم تداولها لاحد مصارف الدولة كانت قد قامت بتحويل مبلغ ٦ مليار دولار بيوم واحد الى احد المصارف في الأردن!.
المحطة الأخيرة لهؤلاء الذين بدأوا في ٢٠٠٣ حرامية دجاج، قصدي مصارف . ثم أصبح لديهم جمبر في سوق العملة ثم محل صيرفة ثم شركة صيرفة ثم اصحاب مصارف أهلية بحماية من الدولة العميقة. دخلوا سوق البناء فنشطوا في مشاريع الاستثمار في بناء المولات والمطاعم والمواد الاستهلاكية. لم يستثمروا في بناء المصانع او الثروة الحيوانية والتسمين ولم يذهبوا الى سوق معامل الالبان وانتاج الغذاء اوالاستثمار الزراعي ليفيدوا الوطن . هؤلاء ليس في قاموسهم شيء اسمه الوطن . لم يصبحوا رجال اعمال او رأسماليين حتى، كما في دول العالم ليدخلوا حقل الانتاج . وبدل من ذلك ذهبوا الى القطاعات الاسرع في الأرباح ، حتى لو على حساب عامة العراقيين ، من خلال توريد المواد الغذائية والاستهلاكية من سوق الجوار الاقليمي ومن السوق العالمية والذي جعل البلد مستهلكا بالكامل وانتشرت البطالة في جمهور الشباب وتوقفت معظم المشاريع الانتاجية الحكومية والاهلية. واتجه البلد للاستيراد في كل شيء .
ويبدو من خلال كل ذلك في محطتهم الأخيرة وفي غفلة من الزمن، انهم وصلوا الى مركز القرار السياسي.
وجويسم صار استاذ جاسم .. وهو ما يعرف الجك من البك من الاقتصاد او السياسة.


