واع / خراطيم الماء بين الأمن والحق: مشهد من قلب معاناة الفلاحين في بغداد/ آراء حرة / بقلم : عباس الفاضل

في زحمة الشوارع المتعبة حيث تختلط حرارة الشمس بغضب الناس لم تعد التظاهرات مجرد تجمعات عابرة بل تحوّلت إلى صرخة وجود مشهد رجل أمن يدفع فلاحًا بسيطًا يرتدي العقال فيما تنهمر عليه خراطيم المياه بقسوة ليس مجرد لقطة عابرة بل صورة مكثفة تختصر واقعًا معقدًا من التوتر بين السلطة والناس
الفلاح ذلك الرجل الذي طالما ارتبط اسمه بالأرض والخير والعطاء لم يخرج إلى الشارع عبثًا خرج لأنه فقد صوته في دوائر القرار وتآكلت حقوقه بين الإهمال والوعود المؤجلة هو لا يطلب أكثر من ماءٍ يسقي أرضه وسعرٍ عادلٍ لمحصوله وحياةٍ كريمةٍ تحفظ له إنسانيته لكن ما يواجهه في الشارع غالبًا هو قوةٌ تُقابل المطالب بالعنف وكأن الفجوة بين الطرفين أعمق مما تبدو عليه
أما رجل الأمن فهو الآخر ليس بعيدًا عن هذه المعادلة القاسية يقف في الواجهة مكلفًا بفرض النظام حاملاً أوامر قد لا يملك رفاهية مناقشتها بين واجبه المهني وضغط الواقع يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع أبناء بلده، في مشهد تتداخل فيه الطاعة مع التوتر والانضباط مع الإحراج الأخلاقي
خراطيم المياه التي كان يفترض أن تكون وسيلة أقل عنفًا مقارنة بغيرها تحوّلت في هذا السياق إلى رمز للقسوة حين تُستخدم لتفريق أناس بسطاء لا يحملون سوى لافتات ومطالب فالماء الذي هو أصل الحياة يُستخدم هنا كأداة ضغط في مفارقة مؤلمة تختصر التناقضات التي يعيشها الواقع
هذا المشهد لا يمكن فصله عن سياق أوسع حيث يعاني القطاع الزراعي من تحديات كبيرة تبدأ بشح المياه ولا تنتهي عند ضعف الدعم الحكومي وغياب التخطيط الاستراتيجي الفلاح الذي كان يومًا عماد الاقتصاد أصبح اليوم الحلقة الأضعف يواجه الطبيعة القاسية من جهة والإهمال المؤسسي من جهة أخرى
إن ما يحدث في الشارع هو نتيجة تراكمات طويلة، لا يمكن حلّها بالقوة أو التجاهل فالأمن الحقيقي لا يُبنى على تفريق التظاهرات بل على معالجة أسبابها والحلول لا تأتي من فوهة خراطيم المياه بل من طاولة حوار جادّة تعترف بالمشكلة وتسعى لحلها
في النهاية تبقى الصورةكل تفاصيلها شاهدة على لحظة صراع بين حقٍ يُطالب به وسلطةٍ تحاول السيطرة عليه لكنها أيضًا تفتح بابًا للتساؤل إلى متى ستبقى لغة القوة هي السائدة ؟ ومتى يتحول هذا المشهد من مواجهة إلى تفاهم ومن قمع إلى احتواء ؟
ربما يكون الجواب ليس في الشارع وحده بل في الإرادة السياسية وفي إعادة الاعتبار للإنسان قبل أي شيء آخر .