واع / الامارات بين سندانة التطبيع ومطرقة البالستي/ اراء حرة/ بقلم: عباس الفاضل

يبدو أن المشهد في دولة الإمارات اليوم أشبه بلاعب سيرك يحاول أن يحافظ على توازنه فوق حبل مشدود، لكن المشكلة أن الحبل نفسه مربوط بين ناطحتي سحاب: واحدة اسمها “التطبيع” والأخرى اسمها “التحالفات المتناقضة”. وبين هذا وذاك، يجد صانع القرار نفسه أمام معادلة معقدة : كيف تُرضي الجميع دون أن تُغضب أحداً، في منطقة لا تؤمن أصلاً بفكرة “إرضاء الجميع”.
الإمارات التي دخلت بقوة في مسار التطبيع حاولت أن تقدم نفسها كقوة “براغماتية” تبحث عن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، لكنها اكتشفت سريعاً أن هذا الطريق ليس معبّداً كما كانت تتصور. فالتطبيع ليس مجرد اتفاقيات اقتصادية أو تبادل سياحي، بل هو اصطفاف سياسي كامل يفرض عليك أن تتحمل تبعاته في كل لحظة توتر في المنطقة وهنا تبدأ المفارقة : كيف تجمع بين خطاب الانفتاح والتسامح من جهة وبين الانخراط في صراعات إقليمية ذات طابع أيديولوجي حاد من جهة أخرى ؟
ومن زاوية أخرى، يبرز التناقض الأكبر في محاولة التوفيق بين “حماية” القواعد الأجنبية على الأرض وبين الادعاء بالسيادة والاستقلال في القرار القواعد الأمريكية التي يُفترض أنها مظلة حماية تبدو في أوقات التوتر أقرب إلى أهداف محتملة لا إلى دروع واقية وكأنك وضعت مظلة في وسط عاصفة صواريخ ثم جلست تحتها مطمئناً… إلى أن تكتشف أن المطر هذه المرة ليس ماءً
أما الصواريخ الباليستية الإيرانية فهي ليست مجرد تهديد نظري في نشرات الأخبار، بل عنصر ضغط حقيقي يعيد رسم حسابات الأمن في المنطقة وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً : هل التحالفات الحالية قادرة فعلاً على توفير الحماية أم أنها مجرد ترتيبات مؤقتة تُؤجل المواجهة ولا تمنعها ؟ لأن الفرق كبير بين أن تؤجل المشكلة، وبين أن تحلها
وفي خضم هذا كله تحاول الإمارات أن تلعب دور “الوسيط العصري” فتفتح قنوات مع الجميع وتستثمر في كل الاتجاهات وتبتسم في كل الصور لكن السياسة في الشرق الأوسط ليست حفلة علاقات عامة، بل ساحة تتطلب وضوحاً في الاصطفاف أو على الأقل قدرة على تحمّل كلفة الغموض والغموض هنا ليس مجانياً
الطريف في الأمر – أو ربما المؤلم – أن الخطاب الرسمي أحياناً يبدو وكأنه يتحدث عن منطقة أخرى غير التي نعرفها منطقة مستقرة آمنة مليئة بالفرص… بينما الواقع يقول إن المنطقة أقرب إلى برميل بارود وكل طرف يمسك بعود ثقاب ويقول : “أنا فقط أضيء الطريق”
وفي النهاية تجد الإمارات نفسها أمام معادلة لا تخلو من السخرية تريد أن تكون مركزاً عالمياً للاستثمار والسياحة، وفي الوقت نفسه جزءاً من صراعات إقليمية معقدة تريد أن تحتمي بالقوى الكبرى دون أن تدفع ثمن هذا الاحتماء وتريد أن تحافظ على صورتها كواحة استقرار بينما الرياح من حولها لا تعترف بالواحات
ربما المشكلة ليست في الخيارات نفسها بل في محاولة الجمع بينها كلها دفعة واحدة لأن السياسة، مثل السير على الحبال لا تحتمل كثيراً من الاستعراض… خصوصاً عندما يكون السقوط مكلفاً والجمهور هذه المرة ليس متفرجاً بل شريكاً في النتيجة .