واع / “بين كعكة كهرمانة وشراهة الأربعين العراق الى أين ؟”/ آراء حرة / بقلم: عباس الفاضل

في كل حقبة من تاريخ الدول، تظهر حكايات تُجسّد واقع السلطة بلغة الرمز لكن ما نعيشه اليوم يكاد يكون نسخة معاصرة من أسطورة “كهرمانة والأربعين حرامي”. غير أن الكنز هنا ليس مغارةً مخفية، بل دولة بكل مواردها والكعكة ليست حلوى تُقدَّم في مناسبة بل ثروات وطن تُقتسم تحت عناوين التوازن والشراكة والتوافق.
تجلس “كهرمانة” الجديدة في قلب المشهد لا بوصفها منقذة كما في الحكاية القديمة بل كرمز لنظام توزيعٍ معقّد، تُمسك بسكين التقسيم وتُدير عملية توزيع الحصص على “أبنائها الأربعين” كل واحد منهم لا يرى في الدولة سوى نصيبه، ولا في المنصب سوى بابٍ نحو النفوذ والثروة
الوزارات السيادية تُعامل كجواهر التاج الدفاع الداخلية، المالية والخارجية هذه ليست مجرد مؤسسات لإدارة شؤون البلاد بل مفاتيح للقرار والسيطرة. من ينلها يضمن حضورًا قويًا في معادلة الحكم، ونفوذًا يتجاوز حدود الوظيفة إلى صناعة الاتجاهات والسياسات.
أما الوزارات الربحية فهي الكعكة الدسمة التي يتزاحم عليها الجميع النفط، النقل، الاتصالات، والكهرباء ليست فقط مرافق خدمية بل منابع تمويل مفتوحة تُدار بعقلية الاستثمار السياسي حيث تتحول المشاريع إلى صفقات والعقود إلى وسائل لإعادة تدوير المال داخل شبكة المصالح
في المقابل تأتي الوزارات “متوسطة الأرباح” كترضيات تُمنح لمن لم يحالفه الحظ في اقتناص الحصة الأكبر التربية الصحة، الزراعة وغيرها تُترك غالبًا لتُدار بموارد محدودة رغم أنها تمسّ حياة المواطن بشكل مباشر. هنا تتجلى المفارقة القطاعات الأكثر ارتباطًا بالناس هي الأقل حظًا في الدعم والاهتمام
عملية التقسيم لا تخضع لمعيار الكفاءة أو الحاجة الوطنية، بل لمعادلة دقيقة من التوازنات السياسية حيث تُحسب الحصص بعدد المقاعد، وحجم التأثير والقدرة على التعطيل إنها سوق مفتوحة تُدار خلف الأبواب المغلقة تُحدَّد فيها قيمة كل وزارة وفقًا لمردودها السياسي والمالي.
والنتيجة ؟ دولة تُدار بعقلية “الغنيمة” حيث تغيب الرؤية الشاملة، ويحلّ محلها منطق المحاصصة. تتآكل المؤسسات وتُستنزف الموارد، ويقف المواطن متفرجًا على كعكته تُقسَّم دون أن يُدعى إلى المائدة
لكن التاريخ يُخبرنا أن دوام الحال من المحال فكل نظام يقوم على تقاسم الغنائم دون بناء حقيقي للدولة يحمل في داخله بذور تآكله ومع تزايد الوعي الشعبي وتراكم الأزمات قد يأتي يوم تُستعاد فيه الكعكة إلى أصحابها الحقيقيين
إلى ذلك الحين تبقى “كهرمانة” تُدير المشهد وأبناؤها الأربعون يتناوبون على اقتسام الحصص في قصة لا تزال فصولها تُكتب ولكن بثمن يدفعه الجميع .