واع / الديكتاتورية وإعادة تشكيل الوعي الجمعي/ آراء حرة / بقلم : رنا يوسف عجيب- سوريا

(السلطة المطلقة مفسدة مطلقة ) هذا ما قاله السياسي البريطاني لورد آكتن
كما أكد عليه المفكر ورائد النهضة العربية عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الإستعباد عندما قال (المستبد في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه على رأسه يرى نفسه كان إنساناً فصار إلهاً )
هكذا تبدأ المعاناة ، فالمنظومات الديكتاتورية دائماً تمارس الإقصاء فتعطل الدستور وتحاول تشكيل حكومة واتخاذ قرارات ليس لها قيود دستورية ، تحكم بسلطة مطلقة تطرد ذوي الكفاءات والخبرة، تكم الأفواه تغذي خطاب الكراهية والانقسام تستعمل القوة العسكرية والبطش ضد أي معارض لسلطتها، ثم يبدأ الديكتاتور يبرر القمع الذي يمارسه على شعبه بأهداف سامية مثل العدو الخارجي وحماية الوطن من الأعداء، كما سبق ورأينا ديكتاتوريات صنعت لنفسها عدواً وهمياً لضمان استمرار سطوتها وعدم الخضوع لأي مساءلة ،ثم أشعلت حروب لا نهاية لها ،كما يحاول الديكتاتور إشعار الجماهير أن الخروج عليه سيؤدي إلى نتائج كارثية وفوضى عارمة في عموم البلاد فيقدم نفسه الضامن الوحيد للأمان والسلم ،
ويرى الكاتب الهولندي(فرانك ديكوتير) أن الطريق المؤدي إلى الديكتاتورية يبدو معروفاً ويمكن توقعه فالبداية دائماً تكون لأشخاص مغمورين غير معروفين تأخذهم أقدارهم نحو العمل السياسي )
و إن الديكتاتوريات عبر الزمان الماضي والحاضر هي واحدة في الطغيان والقمع لكن أشد أنواع الديكتاتوريات عنفاً هي التي جاءت تبشر بمستقبل أفضل، فيستعمل الديكتاتور أساليب متعددة ليتمكن من السيطرة المطلقة ، من الممكن أن يقدم نفسه رجل العلم والمعرفة والانفتاح أو قد يحاول الظهور بوجه المتدين التقي الورع فيسخّر الدين للسيطرة على العقول ، فقال الكواكبي : ( الدين بالنسبة للمستبد هو الوسيلة الأعظم لفرض سطوته وحكمه على شعب جاهل )
كما أن الديكتاتور قد يحاول إلهاء الشعب بقصص ملفقة لا أساس لها أو يمكن أن يعمل على إفقار البشر فلا يبقى عندهم ما يفكرون به سوى الجري وراء لقمة العيش وهذا ما طبقه الديكتاتور ستالين عندما قال المطلوب هو استخدام ماكينة الإلهاء أشغلوا عقولهم بأي شيء فنحن نعرف كيف يفكر هؤلاء ونعرف كيف نشغل عقولهم ونعرف كيف نعزل عقولهم عن الواقع فالقطيع لايفكر إلا بالعلف والغرائز )
فإذا وصل الديكتاتور لمبتغاه ،فرض سطوته و أحكم قبضته على مفاصل الحياة وعقد الطوق على رقاب الجماهير حتى بات من شبه المستحيل التخلص منه أو الانقلاب عليه، لأن الجميع تحت المراقبة وأي محاولة فردية كانت أو جماعية للإنقلاب عليه ستواجه بقسوة وعنف ودموية ،و لأن الأنظمة الديكتاتورية لا تسمح بالمعارضة أبداً ستكم الأفواه وتمارس الاضطهاد ضد أي حركة معادية لها ، لكن هذا الضغط الخانق مهما طال، سيولد حالة انفجار وتمرد فينهض الشعب بعد الخوف والاستسلام ويبدأ بالسعي لنيل حقوقه المسلوبة وإجبار الطاغية للرضوخ للمطالب، ورأينا على مر العصور العديد من الثورات نظمت صفوفها وحددت أهدافها فعينت قائداً يتكلم باسمها حارب واستبسل وقاد الثورة حتى وصلت لأهدافها ونالوا الحرية ،فأصبح القائد الثائر بطلاً وطنياً ،لتبدأ مرحلة سياسية جديدة مرحلة قد تظهر فيها براعم ديكتاتورية تنبت وتزدهر ضمن القيادات الثورية التي كانت تعاني من الطغيان والظلم والعبودية وبعد محاربة الديكتاتور الكبير والانتصار عليه سينبت من داخلهم ديكتاتور صغير كان مكبوتا زمن طويل ،فيعملوا على تقاسم المناصب فيما بينهم ، ثم توزع مكاسب الثورة على اتباعهم ويستخدمون نفس اسلوب الإقصاء الذي اتبعه الديكتاتور السابق ويمارسون القمع نفسه على كل من يعترض على هذه السياسة ويتناسون الوعود بالحرية والمساواة والعدل ، ويرى نيلسون مانديلا بعد تجربته النضالية( أن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم و فالهدم فعل سلبي والبناء فعل إيجابي ) ،
لذلك على الحاكم أن يكون عادلاً كريماً منصفاً لشعبه ضامنا للحريات يفرض قوة القانون ويعيد الحقوق لأصحابها يكون خادماً لمصالح الشعب وليس العكس بهذا فقط يكسب الثقة و يتجنب غضب الناس ويحتويهم ويتقدم معهم وبهم للأمام لما فيه خير للجميع ،كما يقع على عاتق الجماهير مسؤولية إدراك مخاطر الولاء المطلق للحاكم وتعزيز الوعي وعدم تقديس الأشخاص والمطالبة بالحقوق والاعتراض على كل ما يعيق الحريات لأن فكرة الحرية هي الأسمى بين الأفكار لا يسحقها أحد ودائما لها عودة مهما بدت مستحيلة وغير قابلة للتحقيق . (قدسوا الحرية حتى لا يحكمكم الطغاة )