واع / بين واقعٍ مقلق وأملٍ مفقود.. العراقيون يترقبون حقبة وزارية جديدة بقيادة علي فالح الزيدي/ آراء حرة / بقلم : عباس الفاضل
لم يعد العراقيون ينظرون إلى التغييرات الوزارية بوصفها حدثاً سياسياً عادياً، بل تحولت كل حكومة جديدة إلى محطةٍ تختبر ما تبقى من صبر الناس وثقتهم بمستقبل البلاد. فبعد سنوات طويلة من الأزمات المتراكمة، والانقسامات السياسية، وتراجع الخدمات، وارتفاع نسب البطالة والفقر، بات الشارع العراقي يقف اليوم أمام حقبة وزارية جديدة يقودها اسمٌ يُوصف بأنه “غريب عن الشارع السياسي التقليدي”، هو علي فالح الزيدي، وسط حالةٍ متشابكة من القلق والترقب والأمل الحذر.
العراقيون الذين أرهقتهم الوعود المتكررة لم يعودوا ينجذبون إلى الخطابات الرنانة، بل أصبحوا يبحثون عن نتائج ملموسة تمس حياتهم اليومية. المواطن البسيط الذي يقضي ساعات طويلة بلا كهرباء، أو الشاب الذي يحمل شهادة جامعية ويقف على أبواب البطالة، أو الأب الذي أنهكته أسعار الأسواق وتكاليف المعيشة، جميعهم لا يريدون معارك سياسية جديدة بقدر ما يريدون دولةً قادرة على إدارة شؤونهم بكرامة وعدالة.
وما يجعل هذه المرحلة أكثر حساسية، أن البلاد تمر بظروف داخلية وإقليمية معقدة، تتداخل فيها الحسابات السياسية بالمصالح الاقتصادية، فيما يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الصراع. لذلك فإن أي حكومة جديدة لا تملك ترف الوقت، لأن الشارع العراقي أصبح سريع الغضب، فاقداً للصبر، ومتخوفاً من تكرار السيناريوهات السابقة التي بدأت بشعارات الإصلاح وانتهت بخيبات أكبر.
إن صعود علي فالح الزيدي إلى واجهة المشهد السياسي أثار تساؤلات كثيرة، خصوصاً أنه لا يُعد من الوجوه السياسية التقليدية التي اعتاد العراقيون رؤيتها خلال العقدين الماضيين. البعض يرى في هذا الأمر فرصةً لكسر نمط المحاصصة والوجوه المستهلكة، فيما ينظر آخرون بحذر إلى شخصية لم تختبرها الأزمات السياسية العاصفة التي اعتادت أن تبتلع أي مشروع إصلاحي منذ ولادته.
الشارع العراقي اليوم منقسم بين من يتمسك بخيط أمل أخير، وبين من فقد الثقة تماماً بأي تغيير قادم. فهناك من يرى أن العراق يمتلك كل المقومات التي تؤهله للنهوض؛ من ثروات طبيعية، وطاقات شبابية، وموقع استراتيجي مهم، لكن المشكلة بقيت دائماً في سوء الإدارة، وغياب التخطيط، وهيمنة المصالح الضيقة على حساب مصلحة الوطن.
وفي المقابل، يشعر كثير من العراقيين أن الأزمات لم تعد مجرد أخطاء حكومية عابرة، بل تحولت إلى واقعٍ يومي يهدد استقرار المجتمع ومستقبل الأجيال. فملفات الفساد ما تزال مفتوحة بلا حلول جذرية، والبنية التحتية تعاني من التهالك، والخدمات الأساسية تتراجع، بينما تتسع الفجوة بين الطبقة السياسية والمواطن الذي يشعر بأنه خارج حسابات السلطة.
كما أن التحدي الأكبر أمام أي حكومة جديدة لا يكمن فقط في إدارة الدولة، بل في استعادة ثقة الشارع. وهذه الثقة لا تُبنى بالمؤتمرات والتصريحات، وإنما بقرارات جريئة يشعر المواطن بآثارها الحقيقية. فالعراقيون تعبوا من سماع مفردات “الإصلاح” و”مكافحة الفساد” دون أن يروا مسؤولاً كبيراً يُحاسب، أو مشروعاً حقيقياً يغيّر شكل الحياة في المدن المنهكة.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً رغم كل شيء. فالعراقي بطبيعته لا يتوقف عن الحلم بوطنٍ أفضل، حتى بعد كل الخيبات. وربما تكون هذه المرحلة فرصةً حقيقية إذا ما تمكنت الحكومة الجديدة من الاقتراب من هموم الناس بعيداً عن الحسابات الحزبية والصفقات السياسية. إذ لا يمكن لأي سلطة أن تنجح ما لم تدرك أن الشارع العراقي لم يعد يقبل بأنصاف الحلول، ولا ينتظر المعجزات، بل يريد دولة تحترم مواطنيها وتعيد إليهم الشعور بالأمان والانتماء.
إن الحقبة الوزارية الجديدة ستكون أمام اختبار تاريخي حقيقي؛ فإما أن تفتح نافذة أمل لبلدٍ أنهكته الأزمات، وإما أن تضيف فصلاً جديداً إلى سجل الإحباطات الطويلة. وبين هذا وذاك، يبقى العراقيون واقفين على حافة الانتظار، يراقبون المشهد بقلق، ويتمسكون بما تبقى من حلمٍ اسمه “وطن”.


