واع / المباراة الحقيقة … داخل أدمغتنا ….الدوبامين يهاجم… والأدرينالين يرفع الإيقاع… والذاكرة لا تسمح لنا بتغيير الفريق / اراء حرة/ بقلم: رنا يوسف عجيب
في كل نسخة من كأس العالم يبدو العالم وكأنه يتفق ولو مؤقتاً على لغة واحدة تتراجع الخلافات وتتغير إيقاعات المدن وتصبح كرة صغيرة قادرة على جمع ملايين البشر حول شاشة واحدة ، لكن ما الذي يحدث في داخل الإنسان وهو يتابع مباراة لا يشارك فيها؟
لماذا يخفق القلب بعنف ؟
وتتعرق اليدان ؟
ويعلو الصراخ كما لو أن المشجع هو من يركض فوق العشب الأخضر؟
قد تبدو الإجابة سهلة إنها الحماسة
لكن علم الأعصاب يقدم تفسيراً أكثر عمقاً فالمباراة لا تُلعب في الملعب فقط ، بل تُلعب أيضاً داخل الدماغ
لا يشاهد الإنسان المباراة بعينيه وإنما يشاهدها بجهازه العصبي كله ،
فكل تمريرة وكل هجمة وكل صافرة حكم تتحول إلى إشارات كهربائية وكيميائية تعيد تشكيل الحالة النفسية لحظة بعد أخرى وما نسميه حماساً ليس سوى حوار متواصل بين خلايا عصبية ورسائل كيميائية صامتة تجعلنا نضحك ونقلق ونغضب ونحتفل.
حين يقترب المهاجم من المرمى يبدأ الدماغ في بناء احتمالاته الخاصة …هنا يظهر (الدوبامين) ذلك الناقل العصبي الذي لا يمنحنا متعة النجاح فقط بل متعة توقعه أيضاً ، إن الإنسان كما يبدو لا يعيش على الإنجاز وحده بل على الأمل الذي يسبق الإنجاز وربما لهذا السبب تبدو الدقائق التي تسبق الهدف أكثر إثارة من الهدف نفسه فالتوقع أحياناً أكثر قوة من الحقيقة
لكن كرة القدم ليست وعداً دائماً بالفرح، بل هي أيضاً تدريب مكثف على القلق في ركلات الجزاء أو في الدقائق الأخيرة من مباراة مصيرية يستحضر الجسم ذاكرته القديمة يرتفع (الأدرينالين ) ويتسارع النبض وتتوتر العضلات كما لو أن الدماغ ما زال يعيش في الأزمنة التي كان فيها البقاء مرهوناً بسرعة الاستجابة للخطر وبينما يجلس المشجع في أمان منزله يتصرف جسده كما لو أنه داخل معركة حقيقية
ثم يأتي( الكورتيزول) هرمون التوتر ليذكرنا بأن الدماغ لا يفرق دائماً بين الخطر الواقعي والخطر الرمزي ، فالهدف الذي يسكن شباك الفريق المفضل قد لا يهدد حياة الإنسان لكنه يهدد شيئاً آخر لا يقل أهمية في نظر الدماغ وهو شعوره بالانتماء والانتصار والهوية
وهنا تكشف كرة القدم عن بعدها الإنساني العميق فالمشجع لا يدافع عن أحد عشر لاعباً فقط بل يدافع عن قصة ينتمي إليها عن مدينة أو وطن أو طفولة أو ذكرى أو أب علمه تشجيع فريق معين ولهذا يصبح الفوز انتصاراً شخصياً والخسارة خسارة تتجاوز حدود الملعب
وعندما يتحقق الهدف أخيراً تتغير الكيمياء مرة أخرى تفرز (الإندورفينات) لتخفف التوتر ويستعيد الإنسان شيئاُ من توازنه بينما يمنحه (السيروتونين) شعوراً بالرضا والطمأنينة ،
أما إذا كان الاحتفال جماعياً بين الأصدقاء أو في المدرجات فإن (الأوكسيتوسين) ينسج ذلك الخيط الخفي الذي يجعل آلاف الغرباء يشعرون بأنهم عائلة واحدة
ومن يتقبل الخسارة بروح رياضية وهم فئة قليلة يمتلكون ذكاء عاطفي عالي وفلترة جبهية تجعلهم قادرين على التحكم بانفعالاتهم وكبحها و السيطرة عليها ،
لقد اعتاد الفلاسفة أن يصفوا الإنسان بأنه كائن عاقل لكن علوم الأعصاب الحديثة تذكرنا بأن العقل نفسه لا يعمل بمعزل عن العاطفة ، فكما يرى عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو ليست المشاعر نقيضاً للعقل بل إحدى الأدوات التي تساعده على اتخاذ القرار وفهم العالم
فالإحصاءات تخبرنا نسبة الاستحواذ وعدد التسديدات لكنها لا تستطيع قياس عدد الذكريات التي يصنعها هدف واحد ولا كمية الأمل التي يعلقها طفل على ركلة جزاء ولا حجم الانتماء الذي يشعر به إنسان لمجرد أنه يرتدي لوناً يشبه ألوان فريقه
ولعل مباريات كأس العالم تقدم أوضح الأمثلة على هذه الحقيقة إذ يتحول التفكير إلى تجربة مشبعة بالعاطفة وتصبح الكيمياء العصبية جزءاً من الحكاية الرياضية ،
لهذا عندما تنطلق صافرة البداية في المونديال لا تبدأ مباراة بين فريقين فحسب بل تبدأ أيضاً رحلة داخل الدماغ الإنساني رحلة تكشف أن الإنسان لا يبحث عن الفوز وحده بل عن المعنى الذي يمنحه الفوز وعن الشعور الذي يجعله يقول بعد تسعين دقيقة من التوتر والفرح (لقد عشت شيئاً يستحق أن يُروى )
وربما تكمن عظمة كرة القدم في أنها تذكرنا بحقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد.. أن الإنسان مهما تقدم في العلم لا يزال يحمل في داخله ذلك الكائن الذي يحلم ويترقب ويؤمن بأن لحظة واحدة قد تغير كل شيء… سواء كانت في الحياة أو عند حافة منطقة الجزاء .
في النهاية، ربما لا تكون المباراة الأكثر إثارة هي تلك التي تُلعب على المستطيل الأخضر، بل تلك التي تدور بصمت داخل أدمغتنا حيث يتناوب الدوبامين والأدرينالين والكورتيزول والإندورفين على رسم مشاعرنا بينما ينسج الانتماء قصته الخاصة
وقبل صافرة البداية
من هو فريقك المفضل؟
قد يبدو سؤالًا رياضياً بسيطاً ،
لكنه في الحقيقة سؤال عن الذاكرة والانتماء والهوية والطفولة وكل تلك الحكايات التي جعلت دماغك يختار لوناً معيناً ليهتف له كلما بدأت المباراة.


