واع / النشاطات المدرسية للأطفال.. نجاحٌ يصنع جيلاً مبدعاً /آراء حرة / بقلم: د. حسن عجيل الشويلي

لم تعد النشاطات المدرسية مجرد فعاليات ترفيهية تُقام على هامش اليوم الدراسي بل أصبحت ركناً مهماً من أركان العملية التربوية لما تؤديه من دور كبير في بناء شخصية الطفل وتنمية مواهبه وقدراته وإتاحة المجال أمامه للتعبير عن ذاته واكتشاف إمكاناته في بيئة تربوية آمنة ومحفزة.
إن نجاح النشاطات المدرسية الموجهة للأطفال لا يُقاس فقط بعدد الفعاليات أو المسابقات التي تُقام وإنما بما تتركه من أثر حقيقي في شخصية الطفل وسلوكه وثقته بنفسه وقدرته على التواصل والعمل مع الآخرين.
فحين يقف الطفل على خشبة المسرح أو يشارك في مسابقة ثقافية أو يمارس نشاطاً رياضياً أو يمسك الريشة ليرسم فإنه لا يمارس نشاطاً عابراً بل يتعلم كيف يعبّر عن نفسه، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يحترم الآخرين ويتقبل النجاح والإخفاق.
وتسهم الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية والفنية في تنمية جوانب متعددة من شخصية الطالب من بينها الثقة بالنفس، والعمل الجماعي، والانضباط والقدرة على التواصل فضلاً عن اكتشاف المواهب وصقلها.
ومن هنا تأتي أهمية الاهتمام بالنشاط المدرسي منذ المراحل الأولى، ولاسيما مرحلة الطفولة؛ لأن الطفل في هذه المرحلة يمتلك طاقات كبيرة تحتاج إلى من يكتشفها ويوجهها ويمنحها الفرصة للنمو.
وقد يكون بين هؤلاء الأطفال شاعر صغير أو رسام موهوب، أو رياضي متميز، أو قارئ بارع، أو مبتكر يمتلك أفكاراً غير تقليدية، لكن هذه المواهب تحتاج إلى بيئة مدرسية قادرة على احتضانها وتشجيعها.
إن المدرسة الناجحة ليست تلك التي تقدم للطفل المعلومات فقط وإنما تلك التي تساعده على تحويل المعرفة إلى ممارسة والفكرة إلى عمل والموهبة إلى إنجاز.
ولذلك فإن النشاط المدرسي يمثل مساحة تربوية واسعة تمنح الطفل فرصة للتعلم بالممارسة وتجعله أكثر قدرة على التفاعل مع محيطه وتساعده على اكتشاف قدراته الحقيقية.
وفي العراق يمكن للنشاطات المدرسية أن تؤدي دوراً مهماً في تعزيز الثقافة الوطنية، والاعتزاز بالتراث والفنون والآداب، إلى جانب الرياضة والعلوم والابتكار. كما يمكن أن تكون وسيلة مهمة لاكتشاف المواهب التي قد تسهم مستقبلاً في بناء المجتمع.
ولعل أجمل ما في النشاطات المدرسية أنها تمنح الطفل فرصة للنجاح خارج إطار الامتحان التقليدي. فهناك طفل قد لا يكون متفوقاً في مادة دراسية معينةزلكنه يتألق في المسرح أو الرسم أو الرياضة أو الإلقاء أو العمل الجماعي.
وهنا يأتي دور المدرسة في ألا تجعل التفوق محصوراً في الدرجات بل أن تنظر إلى الطفل باعتباره شخصية متكاملة لها ميول وقدرات متعددة.
كما أن نجاح النشاطات المدرسية يحتاج إلى معلم ومشرف يمتلكان الإيمان الحقيقي بأهمية الطفل وطاقاته، ويحتاج كذلك إلى إدارة مدرسية داعمة وإلى تعاون الأسرة وإلى توفير المستلزمات والمساحات المناسبة.
فالاهتمام بالموهبة لا يبدأ عند الفوز في المسابقة وإنما يبدأ منذ اللحظة التي يلاحظ فيها المعلم موهبة الطفل ويمنحه الثقة والفرصة.
إن الاستثمار الحقيقي في الأطفال لا يكون بالكتب والمناهج وحدها، بل بمنحهم فرصة للتجربة والمشاركة والإبداع.
فالنشاط الرياضي يعلم الانضباط والعمل الجماعي، والنشاط الفني يفتح أبواب الإبداع والنشاط الثقافي ينمي المعرفة واللغة، والنشاط العلمي يحفز التفكير والابتكار والعمل الجماعي يغرس روح المسؤولية والانتماء.
ومن هنا، فإن دعم النشاطات المدرسية ليس إنفاقاً على فعاليات ثانوي بل هو استثمار في الإنسان.
وكل طفل يحصل اليوم على فرصة ليكتشف موهبته ويطورها قد يكون غداً فناناً أو عالماً أو رياضياً أو كاتباً أو مبدعاً يسهم في بناء المجتمع.
لقد أثبتت التجارب التربوية أن النشاط المدرسي قادر على تحويل المدرسة من مكان لتلقي الدروس إلى بيئة حية للتعلم والإبداع واكتشاف الذات.
ولذلك فإن نجاح النشاطات المدرسية للأطفال هو في حقيقته نجاح للمدرسة في أداء رسالتها ونجاح للمجتمع في بناء جيل يمتلك المعرفة والموهبة والثقة والمسؤولية.
ويبقى الرهان الأكبر على أن تستمر هذه النشاطات وتتطور، وأن نمنح أطفالنا ما يستحقونه من اهتمام ورعاية لأن صناعة المستقبل تبدأ من طفل يجد من يقول له:
موهبتك مهمة وإبداعك يستحق أن يرى النور .